في زمن الحروب الجديدة والنزاعات والاضطرابات السياسية التي تُنهك المنطقة، تظهر الرواية بوصفها أداة للمقاومة. من تونس إلى مصر وصولًا للبنان والعراق وسوريا، تمثل الرواية حائط صد ضد تفتت الأوطان، هي سرد لواقع النزاع المرير الذي سحق مدنًا وهجر شعوبًا ودمر تراثًا ثقافيًّا ظل خالدًا لقرون طويلة مضت
ظلت الرواية العربية حتى وقت قصير مضي -لحظة غزو العراق تقريبا- هي المؤشر على حركة المجتمعات، سواء صعودا نحو أمل وبناء أو هبوطا نحو تدهور وانهيار وربما اكتئاب. وحافظت الرواية دائما على مكانتها كالمنفذ الأول للتعبير عن الاضطرابات والتغيرات النفسية والمجتمعية في مواجهة ضغوط داخلية من قمع وعنف واستلاب للإرادة، أو استعمار خارجي يُعيد تشكيل الهوية، ويُرغم الذات على مواجهة الآخر بشكل عنيف ومفاجئ. أتاحت كل هذه العوامل للرواية أن تُعيد تأمل الذات بالكثير من التأني، وبمساحات من العمق أدت إلى تمركز مفهوم الهوية -من ناحية تشكلها وغزوها وبنائها واستلابها والتشبث بها أو التفريط فيها-في الدراسات النقدية.
الأدب المقاوم
إلا أن لحظة غزو العراق واجتياح بغداد، تحديدًا في 9 نيسان/ أبريل 2003، جعل الذات الروائية تواجه موقفًا غير مسبوق. فقد كانت إسرائيل هي دائمًا العدو الأول والمباشر؛ العدو الذي احتل أرض فلسطين منذ العام 1948، واجتاح لبنان في 1982 ليحتل جنوبها. وبالتالي زخرت المكتبة العربية بالرواية الفلسطينية، وظهر أدب المقاومة الذي جسده غسان كنفاني، ورواية المخيمات (صبرا وشاتيلا)، ورواية المنفى التي كتبها فلسطينيو الشتات. ظلت الرواية اللبنانية تتأمل الحرب الأهلية حتى يومنا هذا، تلك الحرب التي ظهر فيها القتل على الهوية بوصفه عنفا غير مسبوق.
ومع الركود السياسي الكامل في العالم العربي، والقمع المستتر، المصحوب بممارسة أشكال العنف الرمزي والجسدي كافة، انكفأت الرواية العربية على تأمل الفرد في مواجهة عالم عدواني يفتقر إلى المودة والرحمة. فظهرت أشكال السيرة الذاتية التي تتسربل بعباءة الرواية، وبدأنا نسمع التمرد على الوضع القائم على لسان الشخصيات، وظهرت المكاشفة في السرد في مواجهة تيارات يمينية متطرفة، وقيود مجتمعية صارمة، وسلطة سياسية قامعة، فتصاعدت حركة الرقابة ومصادرة الكتب بشكل لا يمكن وصفه سوى بالفكاهة. لكن ازدياد القيود على حرية الفكر والتعبير لم يكن سوى دليل قوي على القلق الذي بدأ ينتاب السلطات تجاه السرد الجديد (والقديم) أفضى تراكم هذا الشكل من السرد المتمرد إلى ظهور مفهوم «المقاومة» في الدراسات النقدية التي تتناول الرواية، وتحول المفهوم إلى المفتاح الرئيس لقراءة المجتمعات العربية.
وكما غزت القوات الأميركية العراق، فقد غزا الإحباط والشعور بالهزيمة الرواية العربية. لم تخل رواية من تصوير مشاهد تليفزيونية تحمل إشارات واضحة أو مبطنة لسقوط بغداد، وما مثله هذا السقوط من صدمة روائية، تجسدت في حالة الشخصيات واضطرابها، ومحاولة فهمها لما يحدث. لكن منحت ثورة تونس في أواخر العام 2010، ثم ثورة مصر في كانون الثاني/ يناير 2011، الرواية العربية حياة جديدة وصادمة في آن.

وثقت هذه الرواية ظاهرة «البلطجة» في مصر

فكيف للرواية أن تقوم بتخييل حدث يفوق كل خيال؟ كيف لها أن تمسك بتلابيب سرد ما يستعصي على السرد؟ لذلك لم يكن أمام الروائي والروائية إلا اللجوء إلى السيرة الذاتية التي تأخذ شكل الشهادة على الأحداث (إبراهيم عبد المجيد، وسعد القرش، ومني برنس، وغيرهم الكثير في مصر)، ولم يكن أمام المنابر التي تستكتب الكتاب والكاتبات سوى طلب شهادات على الأحداث، من الميدان، من قلب الاعتصام. لهذا حظيت مثلا رواية للكاتب المصري أحمد صبري أبو الفتوح هي «أجندة سيد الأهل» -صدرت أواخر العام 2011 وتناولت ظاهرة البلطجة-باهتمام نقدي كبير، حتى أن موقع هيئة الإذاعة البريطانية «بي.بي.سي»، أشار إلى الرواية باعتبارها تُوثق ظاهرة «البلطجة».
لا يُمكن أن ننسي أنه باندلاع الثورات العربية صعدت الصورة بكل أشكالها إلى مكانة غير مسبوقة: الصورة الفوتوغرافية، والسينمائية، والتليفزيونية، ومقاطع تصويرية. أصبح العالم كله صورة كبيرة، عالم نراه من خلال الصورة، فنتضامن أو نرفض أو نثور أو نعارض أو نسب أو نتظاهر أو نخاف أو نكذِب أو ننكر. الصورة سريعة، لا تحتاج اللقطة لأكثر من ثانية، وتحتاج مزيدا من الثواني لتُتاح عبر الانترنت، وهو ما جعل المتاهة التي دخلنا فيها جلية لا تحتاج إلى شرح.
ماذا تفعل الرواية في مواجهة الصورة المُفزعة التي لا تمنحها وقتا لالتقاط أنفاسها في الحبكة أو الشخصيات؟ ماذا تفعل الرواية في مواجهة سيولة رهيبة في الأحداث؟ ماذا تفعل رواية جيل شاهد هذه الأحداث بعينيه وشارك فيها وفقد أحباءه بسببها وتذوق من خلالها طعم الهزيمة؟ ماذا يفعل الروائي الشاب والروائية الشابة أمام صورة تنقل أدق التفاصيل وتُعبر ببلاغة متناهية عن واقع ثوري مُستلب ومسروق من عدة أطراف؟ ماذا يكتب جيل عن عالم قديم انهار وجديد يصعد مكانه، فقط ليُسيد لغة القتل والعنف والرفض والإقصاء والتخوين والقمع والإرهاب؟
استراحة ولكن
كان لابد للرواية أن تجلس قليلا في مقعد المتفرج الذي يحاول أن يستوعب ما يحدث، حتى قرر السرد أن يكتب ما هو خلف الصورة، كل ما يتشكل خارج الكادر، كل ما هو معتم لأنه هامشي أو مُهمش.  عمد السرد إلى كتابة المسكوت عنه. وبنهاية العام 2012 وبداية العام 2013، عادت الرواية مرة أخرى وهي تحاول قدر الإمكان الابتعاد عن تصوير ما حدث (وهو الأمر الذي كان مغريا للكثيرين) لتظهر بأشكال جديدة تسمح لها بتأمل ما نتج عن العالم الجديد.
كان العالم الفانتازي الغرائبي غير المألوف هو أحد هذه الأشكال، بالإضافة بالطبع إلى الرواية الواقعية التي تحاول نسج قصة في وسط واقع مكشوف تماما بفساده وانهياره أو حزنه على ثورة مهزومة. قدمت منصورة عز الدين «جبل الزمرد» (2014)، ومن قبلها قدم ياسر عبد الحافظ «كتاب الأمان» (2013)، ثم قدم طارق إمام «ضريح أبي» (2013) ليطرح سؤال المدينة في ظلامها القاهر للروح والعقل. وبحث عادل عصمت عن النور في «حكايات يوسف تادرس» (2015)، وأطاح أحمد عبد اللطيف بكل القيم اللغوية الشكلية للرواية في «إلياس» (2014) كاشفا عن قبح المدينة المستمر منذ القدم. كما أطاح أحمد ناجي ومعه الرسام أيمن الزرقاني بكل القوالب المألوفة في السرد في رواية «استخدام الحياة» (2015) التي تُركز على كابوسية المدينة.
يتمرد أيضا أحمد الشافعي على الحبكة المألوفة في «الخالق» (2015) ليكتب عن السيرة الذاتية لمعماري ياباني، مما يساعده في طرح سؤال المدينة مرة أخرى. وحتى عندما كتب وحيد الطويلة «باب الليل» (2013)- التي تدور أحداثها في مقاهي تونس- فقد كانت المدينة مهزومة كالفلسطينيين الذين يقيمون فيها. كأن السرد يتساءل عن الوحش الكامن داخل المدينة، ثم انطلق فجأة ليأتي على الأخضر واليابس، فيهدم كل المعرفة المسبقة عن المدينة ويبني مكانها قصصا لا تتوقف عن الموت والتعذيب والاعتقال والخوف والتهديد والتجسس والفضح. ما هذا الوحش الذي أطلقته علينا المدينة والذي يجعلنا نتقوقع «في مستوي النظر» كما وصفه لنا منتصر القفاش في مجموعته. ما الذي يدفعنا «نحو الجنون» كما أوضحت منصورة عز الدين في مجموعتها.
كشفت المدينة عن وجه مظلم وكابوسي، لم تنجح الصورة في التقاطه إلا في مشاهد الدم، فكان سؤال الرواية عن منبع هذا الدم، جذور القسوة، أصل العنف. طرح صبحي موسى هذا السؤال بشكل مباشر في روايته «أساطير رجل الثلاثاء» (2013) التي يُكتب فيها أسامة بن لادن مذكراته، وحاولت سهير المصادفة تتبع أصل العنف القبلي في التاريخ عبر روايتها «رحلة الضباع» (2014).
تؤكد الرواية المصرية المعاصرة بشكل عام أن الكابوس الكافكاوي يسيطر على الرؤى ويتحكم في الشعور ويحتل جزءا كبيرا من تيار الوعي. وهو كابوس مساو في تأثيره للحرب. إلا أن الحرب المعلنة لا تفسير لها سوي أنها حرب، والحرب هي الدمار والهلاك، أما الكابوس فهو أثقل ولا نهاية له وأشد وطأة بسبب ركوده وقتله للروح وهدمه للنفس أمام ذات تشاهد وتشهد على احتضارها، أو بالأحرى اختناقها.  في الحرب هناك كر وفر، لكن الكابوس مرعب في ديمومته، وعندما تتحول المدينة كلها إلى كابوس يدفع إلى حافة الجنون لا ينقذك أحد سوي رواية تعيد تشكيل الصورة وتعبر عما استعصى علينا فهمه.

لجأ أحمد سعداوي العراقي إلى رسم شخصية «فرانكشتاين في بغداد» (2014) الذي يظهر في المدينة إثر كمية الدماء التي سالت ليُجسد المفهوم التجريدي للرعب.

الهروب من الصورة
ولأن الصورة التي احتلت الشاشات طوال الوقت لم تترك تفصيلة في الحرب إلا ونقلتها بوضوح مرعب، فأصبحت الحروب عروضا تليفزيونية بامتياز. بحثت الرواية عن وسائل تمكنها من تجنب تكرار ما يظهر على الشاشة من ناحية، وتساعدها على تفسير الحاضر عبر قراءة الماضي.  فكان من ضمن ما أبدعته الرواية هو اكتشاف الغرائبية الفلسفية التي تكمن خلف الصورة، فلجأ أحمد سعداوي العراقي إلى رسم شخصية «فرانكشتاين في بغداد» (2014) الذي يظهر في المدينة إثر كمية الدماء التي سالت ليُجسد المفهوم التجريدي للرعب.
على الجانب الآخر، كان لابد للأوطان المُحتلة أو المفتتة أن يُعاد تشييدها من أجل الحفاظ على الذاكرة وقد كان للرواية الفلسطينية السبق في ذلك، وهو ما يبدو جليا في كتابات سحر خليفة. ومن دواعي الحزن، أن تضطر الرواية العراقية إلى فعل ذلك الشيء نفسه، فالعراق الذي تفتت إثر الغزو الأميركي ثم الصراعات الطائفية كان وطنا مزدهرا فيما سبق، فجاءت رواية «طشاري» لإنعام كجه جي لتُعيد تشييد وطن افتراضي على الانترنت، وتتذكر ماضي العراق المجيد.
تظهر إعادة قراءة الماضي كأحد وسائل السعي إلى فهم ما آلت إليه أمور الوطن من حروب أهلية ونزاعات مسلحة دفعت أهل المكان إلى الانتحار أو النزوح أو التطرف الديني، فكانت مدينة حلب وحماة في القلب من السرد وإعادة القراءة. وقد صور ذلك الكاتب السوري خالد خليفة، الحلبي أيضا بامتياز، في «لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة» (2013)، ومن قبلها في «في مديح الكراهية» (2008). وهو ما فعلته أيضا منهل السراج في «عصي الدم» (2012) حيث رسمت مأساة مدينة حماة كاملة. أما عما يحدث في الوقت الراهن فقد كتب خليل صويلح ما يشبه يوميات من قلب الصراع في «جنة البرابرة»، وفي تفسير أسباب ما يحدث الآن في اليمن من سيطرة القبائل على علاقات القوي في الصراع المسلح قدم مروان الغفوري «تغريبة منصور الأعرج» (2015)، وفي قراءته لجزء من تاريخ الاحتلال في مصر قدم الكاتب المصري محمد المنسي قنديل «الكتيبة السوداء» (2015).
هكذا تواجه الرواية تفتت الأوطان بفعل الحروب والنزاعات الطائفية والقبلية عبر إعادة سرد الماضي، عبر إحياء الذاكرة والحفاظ عليها، بل إن الحروب ذاتها يتم إحياء ذاكرتها تجنبا للوقوع في الفخ نفسه مرة أخرى وهو ما تفعله كثيرا الرواية اللبنانية.
في كل الأحوال تبقى الحرب كابوسا يُخيم دائما كالشبح على السرد العربي، السؤال الموجع: متى ينتهي هذا الكابوس؟

*****

*نشر هذا الموضوع في العدد 59 (صيف 2015) من مجلة «الإنساني».

*يمكنكم الاطلاع على محتويات العدد 59 من المجلة ومحوره «الحروب الجديدة» من خلال هذا المسار.

*يمكنكم الاطلاع على مواضيع أخرى تتناول العلاقة بين الفنون والحرب:

يوسف بزي، بيروت السلم شعرية، بيروت الدمار روائية: خراب المكان كما تسرده الرواية اللبنانية

فيروز كراوية، «يا بيوت السويس يا بيوت مدينتي»…مدن القناة المصرية وتجربة مقاومة الحرب بالغناء

سيد ضيف الله، الجماعة الشعبية وصياغة قواعد أخلاقية لحروب السيرة الهلالية

فراس محمد، أزمات شحنت العين والعاطفة… الحرب والصراع كما تعكسهما مرآة السينما السورية

سحر مندور، حضور المدن في صور دمارها