لا تختلف أحلام وطموحات الشباب في غزة عن أحلام وطموحات أقرانهم في أي مكان في العالم؛ فهم يحلمون بوظيفة ومردود مادي يساعدهم على تكوين أسرة والعيش في أمان، إلا أن كل هذه الأحلام تتبدد عند أول مواجهة مع واقع منهك بالحرب والحصار.
يقطن في غزة، القطعة الجغرافية التي لا تتعدى الـ 360 كيلو متر مربع ما يقارب مليون و800 ألف نسمة تشكل فئة الشباب والقوة العاملة فيه ما يزيد عن 65% وفق الإحصاءات الرسمية**. إلا أن الصراع المستمر والتصعيدات المتكررة، والتي كان آخرها حرب استمرت 51 يوماً في العام 2014، مصحوبة بالقيود المفروضة على غزة المستمرة لما يقارب العقد من الزمن، لم تسمح بتوفير البيئة المستقرة سواءً من الناحية المعيشية الإنسانية أو الاقتصادية أو السياسية لفترات طويلة.
ويواجه قطاع كبير من الشباب مشكلة البطالة، التي وصلت إلى أعلى مستوى لها في العام 2015 عندما بلغت 44 في المئة ***. وأدت حالة الاضطراب السياسي إلى دفع الشباب للتفكير بأنه لا فائدة من البحث عن وظيفة أو بناء أسرة أو مسكن، لأن الحرب التالية قد تفقده منزله أو أحد أفراد أسرته أو تتسبب في فقدانه وظيفته. يقول محمود ر.، الشاب الذي تخرج من الجامعة العام الماضي ويسكن في إحدى المناطق الأكثر تأثرا خلال الحرب الماضية: «لم أعد أفكر في المستقبل لأنني لو بنيت بيتاً فسيدمّر ولو تزوجت وأنجبت سأخسرهم في حرب ولو فكرت في الهجرة سأغرق في البحر،» مستذكراً تجربة بعض أقرانه الذين حاولوا سلوك طريق الهجرة عبر البحر بعد الحرب الأخيرة وفقدوا حياتهم في مياهه بحثاً عن الأمان مع مهاجرين آخرين من سورية وليبيا.
توظيف المواهب
اختار أنس (22 عامًا) دراسة القانون أملًا في مساعدة «الطبقات المغلوب على أمرها» بحسب تعبيره، لكنه يقول: «بعد سنتين من الدراسة في الجامعة والمرور بالحروب الأخيرة والحصار الذي لم تختف آثاره، أصبحت الحياة بالنسبة لي باهتة وفقدت ملامحها.» ويؤيده محمود ك. (25 عاما)، وهو شاب لم يجد حتى الآن وظيفة تؤمن حياته: «بالنسبة لي، يبدأ مستقبلي عندما تتاح لي فرصة هجرة خارج البلاد. طموحاتي تلاشت بسبب انعدام الأمل وفشل محاولاتي في الحصول على وظيفة.»
ليس هذا موقف أنس ومحمود وحدهما، فقد عبّر الكثير من الشباب عن عجزهم عن التكيف مع الظروف المتغيرة والمضطربة المحيطة بهم. ويفكر كثير منهم بالهجرة بحثا عن حياة أفضل تتوفر فيها متطلباتهم الأساسية من أمن واستقرار. يتحدث أسامة، المتخرج حديثا، عن مخاوفه قائلاً: «أخاف أن يستمر الوضع على ما هو عليه الآن وألا يتغير حالنا.» بينما يخشى ـمحمد، الشاب الذي حالفه بعض الحظ وحصل على وظيفة وتكوين أسرة، أن يفقد أحد أفراد أسرته. تولد هذا الخوف لدى محمد بعد رؤيته لأب يحاول إيقاظ ابنه الذي فقده في إحدى الحروب على غزة. يفاجئني أنس بالقول: «خوفي هو أن أبقى في غزة
لم تأت هذه المخاوف من فراغ، بل هي نتاج سنوات من محاولة إيجاد الذات ولعب دور فاعل في المجتمع. طغيان شعور التيه في نفوس الشباب سببه غموض المستقبل وشعورهم بغياب أي تأثير لهم في صناعة القرار أو في تغيير واقعهم إلى الأفضل بما يضمن خدمة شعبهم ومجتمعهم. قد تكون الهجرة إحدى سُبل شباب غزة لإيجاد حلول لمشاكلهم لكنها ليست السبيل الوحيد.

خريج جامعي من غزة، سعي للعمل بجد واجتهاد، لكنه لم يعثر عن وظيفة، ففكر في هذا المشروع الصغير. تصوير: نضال الوحيدي، 22 يناير 2014.

توجه بعض الشباب للعمل المجتمعي والتطوعي كما ذكر محمود ر. والبعض بحث في داخله عن موهبة مدفونة يحاول توظيفها. فمثلا عزلت الفنانة نداء بدوان نفسها في أيام الحرب الأخيرة في غرفتها وركزت على إنتاج ألبوم صور تعبر عن اهتماماتها كشابة في غزة. فيما دشن شباب آخرون مبادرة تلوين أحياء القطاع، فحولوا واجهات المنازل الرمادية الكئيبة إلى مشاهد تبعث على الفرح والبهجة في منطقتي الزيتون والشاطئ. ولا ننسى طبعا الشباب الذين تطوعوا خلال حرب العام 2014 لجمع الاحتياجات الأساسية من الغذاء والملابس للعائلات النازحة في الملاجئ غير الرسمية. لجأ كثير من هؤلاء الشباب إلى العالم الافتراضي، أملُا في أن يفتح لهم هذا الأفق الواسع أبواباً خارج القطاع أو على الأقل ينسبهم-ولو مؤقتاً-المصاعب التي يمرون بها.
يشذ بعض الشباب ويسلكون مسلكا سلبيا. فيقول أنس: «فعلياً وبسبب الظروف التي أفقدتهم شخصًا عزيزًا عليهم، أو دمرت منازلهم أو أضاعت أحلامهم في ظل غياب أي يد تساعدهم، وجد بعض هؤلاء الشباب-من ذوي النفوس الضعيفة-الملاذ في الانخراط في صفوف جماعات متطرفة أو متشددة، كي ينتقموا من المجتمع لعدم اكتراثه لهم، ولتغيير حياتهم جذريًا أو حتى للحصول على دخل يساعدهم في العيش.»
حالة الإحباط العامة التي تسيطر على الشباب في غزة بشكل خاص، وعلى سكانه بشكل عام، هي حالة فريدة لم يشهدها القطاع البتة. إنها ثمرة أعوام من الاحتلال والحروب والحصار والاضطراب السياسي التي استنزفت كل أمل بتغير الأحوال إلى الأفضل. بعد مرور عام على الحرب الأخيرة في صيف 2014، ما زال وضع القطاع على ما هو عليه، فلم يُبن بيت واحد، واضطر الأهالي إلى استصلاح ما يمكن استصلاحه أو بناء خيمة بجانب منزلهم لتدبر أمورهم. يقول محمد: «نحن اليوم لا نفكر بالمستقبل. كل ما أفكر به، كيف أستطيع تدبير قوت أسرتي لهذا اليوم.»

**

هوامش

** إحصائية السكان – الوكالة الفلسطينية للمعلومات، إحصائية الأونروا 2014

*** إحصائية مركز الإحصاء الفلسطيني.

*نشر هذا الموضوع في العدد 59 (صيف 2015) من مجلة «الإنساني».
*يمكنكم الاطلاع على محتويات العدد 59 من المجلة ومحوره «الحروب الجديدة» من خلال هذا المسار.
*يمكنكم الاطلاع على مواضيع أخرى تتناول الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة:
سهير زقوت، هذا البحر لي
إيكو باوتيستا جارسيا، البسمة عندما تجعل غزة وطني الثاني