مع الطفرة النفطية التي شهدتها دول الخليج العربية في سبعينيات القرن الماضي، زاد طلب هذه الدول على الأيدي العاملة، رغبةً في تحفيز النمو الاقتصادي. وبالفعل جذب هذا التزايد في الطلب ملايين العمال من الدول ذات الدخول المنخفضة، وهو ما أدى إلى ظهور احتياجات إنسانية لهؤلاء المهاجرين كان للجنة الدولية دور في التصدي لها.
 يعيش اليوم في دول الخليج العربية ما يقرب من 24 مليون مهاجرٍ من دول ذات دخول منخفضة من آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا. يشكل هؤلاء 48 في المائة من مجموع سكان هذه المنطقة (في قطر وحدها يبلغ عدد المهاجرين حوالي 87 في المائة من عدد السكان). توجه هؤلاء المهاجرون- ومعظمهم من الهند وبنغلاديش وباكستان ونيبال والفليبين ومصر- صوب الخليج أملًا في تحسين ظروفهم وظروف أسرهم المعيشية. ويعمل قطاع كبير من المهاجرين في أنشطة البناء والخدمات، بما في ذلك العمل المنزلي. ويتم تنظيم الهجرة الوافدة إلى غالبية دول مجلس التعاون الخليجي على أساس قانون الكفالة الذي يحدد قواعد الإقامة والعمل.
وعادةً ما يكون الكفيل هو رب العمل، سواء كان مواطنًا أو شركةً أو جهةً حكومية. وهناك العديد من النماذج التي حققت نجاحًا في مسعاها لتحسين وضعها الاقتصادي، ولكن هناك، من ناحيةٍ أخرى، تحديات تواجه المهاجرين في رحلاتهم، كانفصام الروابط العائلية والاعتقال والإبْعاد، وفي حالات أخرى الاستغلال والإتجار بالبشر. كما أن بعض هؤلاء المهاجرين يواجهون أيضًا الضرر النفسي والوصمة الاجتماعية التي تلاحقهم في حال عودتهم إلى بلادهم دون تحقيق أهدافهم.
تقدم البعثة الإقليمية للجنة الدولية الصليب الأحمر لدول مجلس التعاون الخليجي، التي تغطي دول الكويت وقطر والمملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان، المساعدة للمهاجرين من خلال استراتيجية لبرنامج الحماية تركز على احتياجات المهاجرين الإنسانية في أماكن الاحتجاز والإبْعاد، ومن خلال خدمات إعادة الروابط العائلية.

عامل مهاجر إلى المملكة العربية السعودية يُظهر جواز سفرة فيما ينتظر أمام أحد مكاتب العمل في 2013. تصوير: فيصل الناصر/ رويترز.

الدعم في أماكن الاحتجاز
جرى تعريف فئة المهاجرين بوصفها من الفئات الأكثر استضعافًا. وبشكل عام يصبح المهاجرون غير موثَّقين عندما يغادرون كفيلهم أو يتجاوزون مدة صلاحية الإقامة، مما يعرض المهاجر للتوقيف والإبْعاد. لهذا تقوم اللجنة الدولية، بالتنسيق الوثيق مع السلطات المعنية في الكويت وقطر والبحرين، بزيارات منتظمة إلى أماكن الاحتجاز ومراكز الإبْعاد. ومن خلال هذه الزيارات، تتطرق اللجنة الدولية إلى مختلف ظروف الاحتجاز، بما في ذلك الظروف المعيشية للاحتجاز، وتوفير الرعاية الصحية، والتواصل المُمنهج بين المحرومين من حريتهم وأسرهم. ومتى كان الأمر مناسبًا، يقدم الصليب الأحمر توصيات إلى السلطات بشأن كيفية تحسين الظروف.
وقد ساعدت اللجنة الدولية خلال عامي 2014 و2015 المهاجرين المحرومين من حريتهم على تبادل أكثر من 230 رسالة صليب أحمر مع أسرهم في مدغشقر وبلدان أخرى كساحل العاج والكاميرون وتوغو وأوغندا. وفي بعض الحالات، مكنت اللجنة الدولية المهاجرين في أماكن الاحتجاز من الاتصال بأسرهم عبر الهاتف لإخطارهم بمكان وجودهم وطمأنتهم على وضعهم.
كما تسجل اللجنة الدولية الأجانب في أماكن الاحتجاز لإبلاغ سفاراتهم وكذلك لإعلام المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في حال وجود طالبي اللجوء ووفقًا لمعايير المفوضية. ومنذ العام 2014، ازداد الدعم الذي تقدمه اللجنة الدولية لسلطات الاحتجاز في الكويت عن طريق ربط المهاجرين الذين ليس لديهم تمثيل دبلوماسي في الكويت-مواطنو أوغندا ومدغشقر ومالي وغانا- مع أقرب السفارات لهم في الرياض في المملكة العربية السعودية.
كما سهلت اللجنة الدولية منذ العام 2014 إصدار 30 وثيقة سفرٍ لمرحَّلين، أغلبهم من النساء المنتميات إلى مدغشقر ومالي وغانا وأوغندا عن طريق الاتصال بالسفارات المعنية في الرياض بسبب عدم وجود سفارات لهم في الكويت. ويقوم مندوبو اللجنة الدولية بتسجيل هؤلاء الذين يحتاجون إلى وثيقة سفر للتأكد من أنهم يريدون العودة الطوعية إلى بلدانهم الأصلية. يلاقي مثل هذا النشاط تقديرًا كبيًرا من جانب المهاجرين المحرومين من حريتهم ومن جانب السلطات، لأنه يساعد على الإسراع بترحيل المهاجرين الذين يرغبون بالعودة إلى بلدانهم. في غياب مثل هذه الآلية، قد تطول إقامة هؤلاء المهاجرين في مراكز الإبْعاد ومراكز الشرطة إلى حين إصدار وثيقة سفر، وهذه أمور تؤثر سلبًا على نفسية المهاجر وعلى أسرته.
ومن أمثلة ذلك، الدعم الذي قدمته اللجنة الدولية لمهاجرة من نيبال، كانت موقوفة مع طفلها المريض في مركز إبْعاد في الكويت. زار مندوبو الحماية وكذلك طبيب اللجنة الدولية هذه السيدة لمتابعة صحتها وصحة الطفل إلى حين تحديد موعد السفر. وبالتعاون مع بعثة اللجنة الدولية في النيبال وجمعية الصليب الأحمر النيبالي، أمكن مساعدة هذه السيدة على التواصل مع أسرتها في نيبال، وجرى استقبالها في المطار بالرغم من تزامن عملية الترحيل مع الهزة الأرضية التي ضربت نيبال في نيسان/ أبريل 2015.
ومن الأمور الأخرى التي بادرت اللجنة الدولية بفتح الحوار فيها مع السلطات في دول الخليج هو احترام مبدأ عدم الترحيل القسري للمهاجرين. ويقتضي مبدأ عدم الإعادة القسرية من أية دولة -بموجب القانون الدولي- الامتناع عن إبْعاد أي شخصٍ خاضع لسلطتها إلى دولةٍ أخرى في ظل وجود احتمالات حقيقية لتعرُّضه للحرمان التعسفي من الحياة (القتل) أو للتعذيب أو لأي شكل من أشكال المعاملة السيئة الأخرى أو للاضطهاد. وفي هذا الإطار تقوم اللجنة الدولية بالتواصل مع السلطات من خلال المناقشات والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى المخوَّلة بمتابعة هذا الشأن لضمان اتخاذ إجراءات مناسبة تضمن الحفاظ على هذا المبدأ.
إعادة الروابط العائلية
وفيما يخص عمل اللجنة الدولية مع المهاجرين خارج أماكن الاحتجاز، فهو يتمحور أساسًا حول الاحتياجات في مجال إعادة الروابط العائلية. وترتكز الاستجابة لهذه الاحتياجات على التنسيق والتعاون بين جمعيات الهلال الأحمر في دول مجلس التعاون الخليجي وبعثة اللجنة الدولية. وفي حين يستفيد عدد كبير من المهاجرين في بلدان مجلس التعاون من التقنيات الحديثة في وسائل الاتصال بما يكفل لهم التواصل بشكل منتظم مع أسرهم في البلد الأم، قد تتعرض الفئات الأكثر ضعفًا إلى احتمال انقطاع أخبارهم عن ذويهم. وتشمل هذه الفئات المهاجرين غير الموثقين وفي بعض الحالات العاملين المنزليين.
تتلقى اللجنة الدولية وجمعيات الهلال الأحمر في دول مجلس التعاون طلبات بحث من أسر فقدت الاتصال بذويها من المهاجرين من جنسيات مختلفة ممن يُعتقد بوجودهم في دول منطقة الخليج. وتجمع بعثات اللجنة الدولية والجمعيات الوطنية خارج منطقة الخليج هذه الطلبات من الأسر الموجودة، إما في البلد الأم أو في بلدان أخرى هاجرت إليها هذه العوائل. ويمكن متابعة طلبات البحث في دول مجلس التعاون من خلال الزيارات الميدانية، والمتابعة مع جهات مختلفة كالمستشفيات وشركات التوظيف والسلطات الرسمية إذا دعت الحاجة. وبالرغم من الجهود المبذولة في هذا المجال، ترتبط التحديات الأساسية بصعوبة الوصول في بعض الأحيان إلى فئات مُعينة من المهاجرين لا سيما المهاجرين غير الموثقين.
وتُعد استجابة اللجنة الدولية وجمعيات الهلال الأحمر في مجلس التعاون، إثر الكوارث الطبيعية التي تحدث في البلدان المُرسلة، من أبرز الأنشطة في مجال الروابط العائلية. ونذكر هنا على سبيل المثال استجابة الهلال الأحمر الكويتي والهلال الأحمر القطري واللجنة الدولية إثر إعصار الفلبين في تشرين الثاني/ نوفمبر 2013، وإثر زلزال النيبال في نيسان/ أبريل 2015. فقد تحقق التواصل مع الجاليات الفلبينية والنيبالية من خلال التجمُّعات والجمعيات الخاصة بالجاليتين والسفارات لإعلامهم بتوفر خدمات الروابط العائلية. وجرى استقبال ومتابعة طلبات البحث.
كما أُتيح الاتصال إثر زلزال النيبال لعدة أشخاص في الكويت وقطر مما مكنهم من التواصل مع ذويهم والاطمئنان عليهم. إن هذه الاستجابة عقب الكوارث الطبيعية سمحت للجنة الدولية وجمعيات الهلال الأحمر بالوصول إلى فئات واسعة من المهاجرين والترويج والتعريف بشكل فعَّال بخدمات الروابط العائلية المتوفرة بشكل عام للمهاجرين وغيرهم من الفئات في الدول المعنية.
وشهد العام 2015 ارتفاعًا في أعداد العائلات الموجودة في بلدان مجلس التعاون الخليجي، والتي فقدت الاتصال بذويها من الجنسية السورية وغيرها من الجنسيات إثر سفرهم إلى أوروبا إما من خلال سفر ذويهم بحرًا إلى إحدى الدول الأوروبية، أو من خلال وجودهم في إحدى بلدان العبور في أوروبا. وقد توجهت هذه العائلات إلى الجمعيات الوطنية في منطقة الخليج أو اللجنة الدولية لطلب المساعدة في البحث عن أفراد العائلة. وتجري متابعة هذه الحالات مع الجمعيات الوطنية المعنية في الدول الأوروبية وذلك في إطار التنسيق بين مختلف مكونات شبكة الروابط العائلية بما يخص حالات الهجرة إلى أوروبا. وبالرغم من التحديات الكبيرة، تسعى اللجنة الدولية وجمعيات الهلال الأحمر إلى إعلام العوائل بشكل مستمر بالخطوات التي اُتخذت للبحث عن ذويهم.
لقد دفع النزاع المسلح في سورية بالعديد من السوريين إلى الفرار خارج بلدهم أو إلى النزوح داخل سورية. لذلك نشطت اللجنة الدولية خلال العام 2015 في إعلام وطمأنة أكثر من 100 أسرة في دول مجلس التعاون على وضع ومكان وجود ذويهم من اللاجئين السوريين. بالإضافة إلى ذلك، تصدر بعثة اللجنة الدولية الإقليمية وثائق سفر لأشخاص أُعيد توطينهم في بلد ثالث. كما تتلقى وتتابع البعثة، وبشكل مستمر طلبات عديدة تتعلق بمتابعة الوضع الصحي لبعض المهاجرين أو طلب مساعدة لأشخاص لجأوا إلى بلدان مجلس التعاون.

**

سينتيا عون هي مسؤولة قسم إعادة الروابط العائلية في بعثة اللجنة الدولية الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي، وريهام باعشر هي مندوبة الحماية في البعثة ذاتها.
*نشر هذا الموضوع في العدد 60 من مجلة «الإنساني».
*يمكنكم الاطلاع على محتويات العدد 60 من المجلة ومحوره «الهجرة» من خلال هذا المسار
اقرأ أيضا: 

 

نايلة جليكي وأحمد أبو غزالة، كيف تمكنت عائلة سعودية من التواصل مع ابنها المعتقل في غوانتانامو؟