كولين رابنو: العنف الجنسي كوسيلة للحرب يعززها غياب آليات العقاب 

العدد 59
حوار: أحمد زكي عثمان

كولين رابنو: العنف الجنسي كوسيلة للحرب يعززها غياب آليات العقاب 
يتسع نطاق ممارسة العنف الجنسي في أوقات النزاعات المسلحة وأعمال العنف. وتلجأ بعض الأطراف في الحروب التقليدية أو الحديثة إلى استخدام العنف الجنسي كوسيلة من وسائل الحرب. في هذا الحوار تشرح مستشارة اللجنة الدولية لشؤون العنف الجنسي السيدة كولين رابنو أنماط العنف الجنسي المختلفة التي جرى رصدها في النزاعات ودور اللجنة الدولية في تعزيز حماية ضحاياه.  
الإنساني: برأيك ما هي أنماط العنف الجنسي الرئيسة في النزاعات الحالية على مستوى العالم؟
رابنو: هناك سمتان رئيستان للعنف الجنسي: أنه مستتر وأنه يحدث في إطار أنماط عنف أوسع نطاقًا. وغالبًا ما يُنظر إلى العنف الجنسي بوصفه ظاهرة غير مرئية. ويرجع ذلك في أغلب الأحيان إلى التابوهات بالإضافة إلى شعور ضحايا العنف الجنسي في الغالب بالخزي والوصم الذي يمنعهم من طلب المساعدة. ومع ذلك، نادرًا ما يحدث العنف الجنسي بمعزل عن غيره من حوادث العنف، إذ عادة ما يشكل العنف الجنسي جزءً من نمط أوسع نطاقًا من العنف والانتهاك الذي يتضمن النهب والقتل وتدمير الممتلكات والخطف. وتتضمن الأنواع الشائعة للعنف الجنسي الاغتصاب والاستعباد الجنسي والإكراه على البغاء والحمل القسري والزواج القسري. وفي حين أن النساء والفتيات غالبًا ما ينظر إليهن بوصفهن ضحايا العنف الجنسي، فقد يكون الرجال والصبية أيضًا ضحايا لعنف جنسي.
الإنساني: هل يعد «الاستعباد الجنسي» النمط الرئيس للعنف الجنسي في النزاعات الأخيرة في الشرق الأوسط وكذلك على مستوى العالم؟
رابنو: غالبًا ما يوظف العنف الجنسي كاستراتيجية خاصة أو تكتيك للحرب في بعض النزاعات. أما «الاستعباد الجنسي» فهو بكل تأكيد ظاهرة لطالما كانت حاضرة في حروب مختلفة بما فيها الحرب في سيراليون والحرب في ليبيريا، ولا تزال سائدة في نزاعات عدة عبر العالم. ونشهد في مناطق معينة في الوقت الحالي أفعالاً مثل خطف يتبعه زواج قسري للمختَطفين. وتُجبَر الضحايا بعد ذلك على القيام بأفعال جنسية أخرى، فيصبحن أسيرات جنس، أو قد يُجبَرن على حمل السلاح.
 الإنساني: إلى أي مدى يمكننا أن نقول إن الإطار القانوني الدولي مؤثر أو غير مؤثر في حظر وتجريم العنف الجنسي في النزاعات المسلحة؟
رابنو: العنف الجنسي محرم قانونًا بموجب القانون الدولي الإنساني. ويحظر القانون الدولي في كل من النزاعات الدولية وغير الدولية المسلحة الاغتصاب وأشكال العنف الجنسي الأخرى. وفي حين أن اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول ذكرا على وجه الخصوص حظر اغتصاب النساء فقط، فإن الرجال والصبية والفتيات أيضا يتمتعن بالحماية ضد الاغتصاب وأشكال العنف الجنسي الأخرى من خلال مواد أوسع نطاقًا في القانون الدولي (مثل القانون العرفي والبروتوكول الإضافي الثاني… إلخ). والعنف الجنسي محظور بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان بصورة رئيسة من خلال حظر التعذيب والمعاملة القاسية المهينة وغير الإنسانية. وهذه المحظورات منصوص عليها أيضًا في القانون العرفي الدولي. ويتسم هذا الإطار القانوني الذي يحظر العنف الجنسي بالشمول. مع ذلك، قد تبرز بعض المسائل عند تطبيق هذه القوانين. فالمشكلة هنا ليست في الشروط أو النص إنما في تطبيق الشروط من قبل الدول والجماعات المسلحة من غير الدول. وتعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر مع الحكومات والجماعات المسلحة لضمان التطبيق الملائم لهذه القوانين وإدماجها في القانون المحلي والأطر المعيارية، وكذلك الدخول في حوار مع الجماعات المسلحة لرفع مستوى الوعي بشأن القوانين.
الإنساني: هل تساهم ثقافة الإفلات من العقاب في إدامة العنف الجنسي في النزاعات المسلحة؟
رابنو: بالتأكيد. يعد الإفلات من العقاب عاملًا رئيسًا في إدامة العنف الجنسي. فهناك ثلاثة عوامل رئيسة تسهم في تعميق هذه الثقافة، أولا: دولة لم تطبق التزاماتها الدولية والإقليمية بحظر العنف الجنسي بسن قوانين محلية علاوة على أنها لا توفر أي تدريب للعاملين وبالتالي لا تتمكن من معاقبة المجرمين عند وقوع حوادث عنف جنسي. ثانيا: دولة طبقت التزاماتها لكن آليات تفعيل الالتزامات ضعيفة والدولة غير راغبة أو غير قادرة على إقامة الدعاوى القضائية على متهمين بالعنف الجنسي. ثالثا: هناك ثقافة «التغاضي» لاسيما في أوساط بعض الجماعات المسلحة التي تسمح باستمرار ممارسة العنف الجنسي دون معاقبة مرتكبه.
يعد الإفلات من العقاب عاملًا رئيسًا في إدامة العنف الجنسي
الإنساني: ما هي برأيك الأليات التي ينبغي للدول أن تتبعها لضمان محاسبة مرتكبي هذه الجرائم؟
رابنو: لمنع أو مواجهة ثقافة الحصانة لمرتكبي جرائم العنف الجنسي يجب أن يكون هناك احترام قوي لسيادة القانون مع ضمان قوة واستقلالية الالتزامات الدولية وآليات التفعيل. وتنظر اللجنة الدولية للتدابير الوقائية كمثل إدماج الحظر التام للعنف الجنسي في التشريعات المحلية للدول والمدونات السلوكية العسكرية والخطوط الإرشادية والسياسات الداخلية (للقوات لأمنية وغيرها)، أو توفير التدريبات للعاملين في هذه الجهات (القضاة والشرطيين والنيابة إلخ) بوصفها خطوة أساسية للارتقاء بحظر العنف الجنسي. وتهدف اللجنة الدولية إلى محاولة منع العنف الجنسي من خلال العمل مباشرة مع الدول لضمان تطبيق الالتزامات الدوية تطبيقًا ملائمًا في القانون المحلي والأطر المعيارية الأخرى بما في ذلك مدونات السلوك والخطوط الإرشادية والسياسات والتدريب.
الإنساني: تلتزم اللجنة الدولية بزيادة جهودها لتحسين مستوى منع العنف الجنسي وتلبية احتياجات الضحايا، فما هي تحديدا الأهداف والاستراتيجيات التي تتبناها اللجنة الدولية في هذا الصدد؟
رابنو: اللجنة الدولية على وعي بأهمية مجابهة العنف الجنسي بصورة شاملة في عملياتها، لذلك قدمت في العام 2013 استراتيجية مؤسسية حول العنف الجنسي تمتد لأربع سنوات. وتدور هذه الاستراتيجية حول أربعة محاور:
أولا: ضمان وجود مواجهة شاملة ومتعددة المجالات المعرفية للعنف الجنسي في عمليات اللجنة الدولية بحيث تدمج استجابات متنوعة بما فيها الدعم الطبي والنفسي والصحي والسيكولوجي والاقتصادي والحماية؛
ثانيا: ضمان تنفيذ أنشطة الحماية التي تتضمن العمل مباشرة مع الدول لضمان وفاء التزاماتها الدولية بتجريم الاغتصاب وشكال العنف الجنسي الأخرى وتقديم مرتكبيها للعدالة؛
ثالثا: ضمان التنسيق الفعال للجنة الدولية مع شركاء الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر؛
رابعا: ضمان حصول العاملين على تدريب شامل على كيفية مجابهة العنف الجنسي في العمليات.
ويعتمد نوع الاستجابة في عملياتنا على السياق. تتمكن بعض العمليات كما في الكونغو وكولومبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى والمكسيك، وجنوب السودان من تشغيل برامج شاملة تدمج الاستجابات الطبية والنفسية والسيكولوجية والاقتصادية ودعم الحماية. وتشهد سياقات أخرى إدماج العنف الجنسي في البرامج والأنشطة القائمة التي تقوم بها اللجنة الدولية.
الإنساني: ما هي التحديات الرئيسة التي تواجهها اللجنة الدولية في مجابهة العنف الجنسي في الميدان؟
رابنو: تواجه اللجنة الدولية تحديات عدة في الميدان، وأحد أقوى هذه التحديات هو أن العنف الجنسي يظل محجوبا عن الأنظار بسبب الخزي والتابوهات المرتبط به مما يمنع الضحايا من طلب المساعدة. لذا نحن نستثمر الوقت في تطوير ثقة المجتمعات من أجل تأسيس برامج فعالة. والتحدي الرئيس الآخر هو انعدام الأمان الذي يؤثر على قدرة اللجنة الدولية على تأسيس وتشغيل برامج تجابه العنف الجنسي. ففي إحدى المرات تم إجلاء موظفي اللجنة الدولية بعد أسبوع واحد من تدريب حول العنف الجنسي تلقته ممرضات محليات ما منعنا من تطبيق البرنامج بطريقة ملائمة. وفي أماكن النزاع الدائر هناك صعوبة بالغة أيضًا في تقييم احتياجات المجتمع المحلي وضمان حصول الضحايا على الخدمات، لا سيما الخدمات الصحية التي تعد ضرورية في الساعات الـ 72 التالية لوقوع الاغتصاب.

**

*نشر هذا الحوار في العدد 59 (صيف 2015) من مجلة «الإنساني»
*يمكنكم الاطلاع على محتويات العدد 59 من المجلة ومحوره «الحروب الجديدة» من خلال هذا المسار

اطلع غيرك على هذا المقال

تعليقات

لا توجد تعليقات الآن.

اكتب تعليقا