في زمن الحرب، كثيرًا ما تُرتكب جريمة العنف الجنسي ضد النساء، فتستخدمها الأطراف المتناحرة أحيانًا كوسيلة من وسائل القتال. وفي النزاع الدامي في جنوب السودان تعاني النساء من وطأة هذه الجريمة الوحشية.
الحمل غير المرغوب فيه، التعرض لفيروس نقص المناعة المكتسب، الألم الجسدي، الأزمات النفسية، خطر العزلة الاجتماعية، انخفاض احتمالية الزواج، هي بعض من نتائج جرائم عنف جنسي لا تعد ولا تحصى جرت وقائعها بجنوب السودان خلال العام الماضي. وقد انزلق جنوب السودان إلى دوامة العنف في نهاية العام 2013، ومنذ ذلك الحين قُتل الآلاف، وأرغم أكثر من مليوني شخص على النزوح من ديارهم، كما وضع القتال مئات الآلاف من سكان جنوب السودان أمام خطر المجاعة.
ولجرائم الاغتصاب وأشكال العنف الجنسي الأخرى في جنوب السودان عواقب مفجعة وطويلة الأمد للأغلبية من الضحايا الإناث. فعندما تحدث هجمات الاغتصاب، يقطع الضحايا مسافات طويلة لإخفاء الاعتداء، إذ سارت إحدى ضحايا الاغتصاب التي ساعدتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر ليومين من معسكر اللاجئين في غامبيلا بإثيوبيا إلى عيادة صحية في ولاية أعالي النيل. فقدت الضحية زوجها أثناء النزاع، وكان عليها قبل أن تخوض رحلة صعبة على الأقدام كهذه أن تجد شخصًا ما يعتني بأطفالها الأربعة. وشعرت بأن عليها فعل ذلك من دون إخبار أي أحد بأنها كانت قد تعرضت للاغتصاب بسبب وصمة العار التي ستعانيها.
وتقول أورور بروسالت، مسؤولة الصحة النفسية والمساعدة النفسية والاجتماعية في بعثة اللجنة الدولية في جنوب السودان: «يدمر العنف الجنسي المجتمعات ويمزق الروابط الأسرية من خلال إثارة الإحساس بالعار الشديد لدى الضحية إضافة إلى العذاب النفسي المدمر». وتتساءل بروسالت: «كيف يمكن للأم والطفل أن يحافظا على العلاقة نفسها بينهما إذا كان الطفل قد أجبر على أن يشهد اغتصاب أمه؟ إنه أمر لا يمكن تخيله». وحتى إن توفرت المساعدة القريبة – لأن مساحات شاسعة من جنوب السودان تخلو من منشآت طبية عاملة – إلا أن وصمة العار الاجتماعي قاسية جدًّا، لذا فإن الكثيرات من ضحايا العنف الجنسي يحجمن عن طلب المساعدة. ولا يعلم الكثير من النساء أن المساعدة الطبية يمكن أن تمنع الإصابة بالمرض والحمل غير المرغوب فيه. وتخشى الضحايا ألا يعالجن بسرية، وثمة سوء فهم عام لدى الضحايا والسلطات عما إذا كانت ضحايا العنف الجنسي بحاجة لأن يبلغن الشرطة أولًا قبل تلقي المساعدة الطبية.
تعد التوعية أمرًا مهمًّا لتجنب وصمة العار، لذا نظمت اللجنة الدولية في جنوب السودان السنة الماضية محاضرات عن بناء الوعي بالعنف الجنسي مع مئات الأفراد، من بينهم كوادر صحية وقابلات وقادة محليون وضباط شرطة وأعضاء من المجموعات المسلحة ومتطوعون من جمعية الصليب الأحمر في جنوب السودان. وتسعى اللجنة الدولية هذا العام للتصدي لوصمة العار التي تحول دون الحصول على العناية وستشدد على ضرورة طلب المساعدة في أسرع وقت ممكن. ويتناسب الدعم الذي تقدمه اللجنة الدولية واحتياجات الضحايا، فإذا أبلغت امرأة عن حادث اعتداء خلال ثلاثة أيام، سنتمكن من تقديم علاج طبي لها لمنع مرض نقص المناعة والحمل والأمراض المنقولة جنسيًّا. أما إذا مضت الثلاثة أيام فيمكننا فقط علاج الأمراض المنقولة جنسيًّا. وبالنسبة للمساعدة النفسية فهي متوفرة في أي مرحلة.
إن حظر الاغتصاب هو إحدى أقدم قواعد الحرب وأهمها، إذ حظرته اتفاقيات جنيف بوضوح في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية على حدٍّ سواء. وتعمل اللجنة الدولية في جنوب السودان مع المجموعات المسلحة في أنحاء البلاد على تذكيرها بالتزاماتها بتجنيب السكان المدنيين الأذى. ويجب ألا يكون العنف الجنسي أسلوبًا يمارس في النزاع. ونسعى نحن لمحو هذا العار الذي يصم الضحايا ويمنع العديد من النساء والفتيات والرجال والأطفال من تلقي المساعدة الطبية والنفسية التي يعد التعافي منها صعبًا للغاية.
**
نُشر هذا الموضوع في العدد رقم 61 (ربيع/ صيف 2016) من مجلة «الإنساني».
شاهد فيديو: العنف الجنسي في النزاعات المسلحة: مأساة غير مرئية