لم يكد الصومال يتعافى من آثار الجفاف الكارثي الذي ضرب البلاد قبل ست سنوات وأودى بحياة نحو ربع مليون إنسان، حتى جثم عليه مطلع عام 2017 وضع مأساوي لا يختلف عن سابقه. فقد تكالب النزاع والجفاف على شعب الصومال، وجعلا ما يزيد على نصف سكان البلاد، نحو 6.2 مليون نسمة، في حاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة.
فموجة الجفاف التي بدأت في موسم العام 2015، امتدت لبدايات العام 2017، فأهلكت المزيد من الماشية والمحاصيل. وشكل المزارعون الرعويون أكثر الفئات تضررًا بالكارثة. فهم يعتمدون على الماشية، في ظل فقر المراعي وشح المياه الذي يهدد نمط الحياة الرعوية الذي جُبل عليه السواد الأعظم من الصوماليين. «محمد صلاة» راعٍ من مدينة غاروي (Garoowe) شمالي الصومال، رأى بعينيه كيف تقلص قطيع ماشيته الذي كان قوامه 360 رأسًا من الماعز والغنم إلى 90 رأسًا فقط مطلع هذا العام. يقول «صلاة»: «طوال سنوات عمري البالغة 43 عامًا لم أر أو أسمع عن جفاف كهذا. ولم يسبق أن استيقظنا ذات يوم لنجد أن ضرع ماعزنا ليس به قطرة لبن».
تعبر معاناة «صلاة» عن حال الكثيرين من أصحاب الماشية الذين يعيش أغلبهم في شمال البلاد. أما بالنسبة لمزارعي المحاصيل الذين يعيشون على امتداد الأنهار في جنوب الصومال، فلم يكونوا أقل تضررًا من الآثار المُدمِّرة. فقد خلَّف الجفاف عائلات بلا قوت كافٍ لسدِّ رمقها، وأعدادًا غير مسبوقة من الأطفال – تعكس حالهم مدى مأساوية الوضع – أودعوا مراكز التغذية التي تدعمها اللجنة الدولية في كل من بيدوا وكيسمايو لكي يتلقوا العلاج اللازم لإنقاذ حياتهم.
ومع وجود نُذر خطر مجاعة تلوح في الأفق، وفي ظل مشابهة الأوضاع الحالية، بشكل مثير للقلق، للأزمة التي حلت في عام 2011، تواصل الجهات الفاعلة في المجال الإنساني، مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر، حشد جهودها لتلافي وقوع نتائج مماثلة. إذ وزعت مساعدات غذائية عاجلة على العائلات، بمن فيها العائلات النازحة، لمساعدتها على مواجهة هذه الظروف العصيبة. وقدمت كذلك مساعدات نقدية للعائلات في المناطق التي بها أسواق نشطة.
ومع أن الماء يُعدُّ عنصرًا ثمينًا في مثل هذه الأوقات، فإنه يمثل أيضًا تهديدًا من جانب آخر؛ ذلك أن العائلات المتضررة من الجفاف تلجأ إلى استخدام المياه من مصادر غير مُعالَجة. وبمساعدة قيِّمة من متطوعي جمعية الهلال الأحمر الصومالي، أجريت حملات توعية صحية بالإضافة إلى توزيع أقراص الكلورين. وقد ساعد هذا على تعزيز قدرة المجتمعات المحلية على مواجهة التحديات الممثلة في إمدادات المياه غير الآمنة بشكل فعَّال.
ومع حلول منتصف عام 2017، جاء مستوى هطول أمطار «غو» بين نيسان/ أبريل وحزيران/ يونيو دون المتوسط. ومرة أخرى ظلت العائلات رهينة حالة الترقب القاسية التي باتت الوضع الطبيعي الجديد.
لا يمكن ترك المجتمعات المحلية المتضررة من الجفاف تحاول صد آثار موجات الجفاف المتكررة بمفردها. وإنما يجب بذل جهود مجتمعية لحماية آليات التعافي القائمة وتعزيزها، عن طريق زيادة مصادر إنتاج الغذاء المحلية في قطاعي الثروة الحيوانية والزراعة. فهذان القطاعان يؤديان دورًا محوريًّا في تحسين الأمن الغذائي في البلاد. وفي هذا السياق، ستتولى اللجنة الدولية إعادة تأهيل البنى التحتية للري والحماية من الفيضانات. إذ ستعمل الفرق الميدانية، بالتعاون مع الجمعيات التعاونية الزراعية، على دعم تجديد الآلات والمعدات الزراعية، وإنتاج البذور المُحسَّنة، مع تطوير حلول تخزين المواد الغذائية ومعالجتها في الوقت ذاته. وبالتوازي مع ذلك، ستستفيد المجتمعات الرعوية من توافر الخدمات البيطرية المؤهلة ومن إنتاج الأعلاف الحيوانية.
هناك درس تعلمناه من موجات الجفاف المتكررة التي تجتاح الصومال، وهو أنه على الرغم من أن المساعدات الإغاثية العاجلة ضرورية ومنقذة للأرواح في المراحل المبكرة للجفاف، فلا يمكننا إغفال التحديات الهيكلية الأعمِّ التي تواجهها المجتمعات الزراعية الرعوية. ومن دون الدعم الذي يوجَّه للتصدي للمشاكل الهيكلية التي تمثل الصورة الأشمل، ففي العادة، يكرر التاريخ نفسه.
اقرأ أيضا:
ريتا نياغا، الصومال: نسائم أمل تهبُّ على سوق تعاني أوضاعًا مالية صعبة
الصومال: الصيد في بلدة كانت يوما تحت سيطرة “القراصنة”
الصومال: الفرق المتنقلة تقدم الخدمات الصحية للصوماليين مهما بعدت المسافة