يعمل عبد الفتاح سعيد عساكر، مسعفًا في هيئة الإسعاف المصرية منذ العام 1992. وخلال فترة عمله الطويلة هذه، شارك في إنقاذ أرواح أعداد لا تحصى من المصابين. هنا حوار قصير معه حول الضغوط التي يتعرض لها في عمله، ودور تدريبات الدعم النفسي الاجتماعي في التخفيف من حدة هذه الضغوط
حدثنا في البداية عن ظروف التحاقك بهذا العمل؟
التحقت بالعمل كمسعف فني بـ هيئة إسعاف الجيزة العام 1992. ومنذ ذلك الحين وأنا أعمل في هيئة الإسعاف في نطاق محافظة الجيزة. ومع استبدال هيئة الإسعاف المصرية بهيئة إسعاف الجيزة، انتقلت للعمل بها. قضيت أكثر من 25 عامًا في هذه المهنة، شاركت في مساعدة ضحايا العديد من الكوارث والاضطرابات السياسية في مصر. لكن تظل حوادث الطرق، خاصة حوادث شاحنات النقل، هي الحوادث الأكثر إيلامًا في حياتي.
ما هي أهم الأحداث التي شكلت تحديًا كبيرًا لهيئة الإسعاف؟
تُعد فترة الثورة المصرية التي اندلعت في 25 كانون الثاني/ يناير 2011 من أقسى الفترات التي شهدتها في عملي. فقد اضطررت بسبب سخونة الأوضاع في ميدان التحرير [بوسط القاهرة] إلى التمركز مع زملائي في أحد الفنادق القريبة من الميدان لأكثر من أسبوعين متواصلين. حينها كان القلق يتملكني على أبنائي الذين تركتهم في المنزل، خصوصًا في ظل حالة الانفلات الأمني التي شهدتها البلاد وقتها. لكننا كنا نقول لأنفسنا، من يمكثون في البيوت في أمان نسبي، خلافًا للموجودين أو المتظاهرين في الميادين الذين هم أحق حاليًّا برعايتنا ومساعدتنا.
حياتنا تختلف عن غيرنا. نحن دائمًا ما نستيقظ من نومنا على أصوات رنين الهواتف أو أجهزة اللاسلكي التي تطالبنا بالتحرك فورًا. وحتى في يوم راحتي، لا أستطيع أن أبتعد عن هاتفي

 كيف ترى الهدف من وظيفتك هذه؟
هدفنا الأساسي هو إنقاذ حياة الناس، والمحافظة على أرواحهم. اعتدنا على ظروف عملنا الصعبة هذه. طبعًا نحن كبشر نتأثر بما نرى [من حوادث وإصابات] ولكننا نحاول جاهدين أن نتخطى تلك الحالة حتى نستطيع أن نكمل عملنا ونساعد المصابين الذين هم في حاجة ماسة إلينا. في بعض الأحيان، وخاصة بعد مشاركتي في مساعدة ضحايا إحدى الكوارث الكبرى أو حادثة طريق بشعة، أسأل نفسي: لماذا أعمل في هذه المهنة؟ فحياتنا تختلف عن غيرنا. نحن دائمًا ما نستيقظ من نومنا على أصوات رنين الهواتف أو أجهزة اللاسلكي التي تطالبنا بالتحرك فورًا. وحتى في يوم راحتي، لا أستطيع أن أبتعد عن هاتفي، فربما يأتي نداء الواجب في أي وقت. أفكر في حالتي هذه لبعض الوقت، لكن هذا التفكير لا يستمر معي طويلًا، فأنا مؤمن بأن الله هو من اختارنا لهذا العمل، وأنه زرع في نفوسنا حب هذه المهنة، ورزقنا القوة كي نحتمل ما نلاقيه كل يوم من مصاعب في عملنا.
منذ متى بدأت في الاهتمام بتدريبات الدعم النفسي الاجتماعي؟
الزملاء في العمل هم أهم عون لنا للتغلب على حالات الضيق والألم النفسي. ولعل هذا هو ما دفعني للاهتمام بتدريب الدعم النفسي الاجتماعي الذي وفرته لي إدارة هيئة الإسعاف بالاشتراك مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر. في البداية لم أكن أعرف شيئًا عن الدعم النفسي الاجتماعي، ولكن مع الوقت وبعد الجلوس مع مندوبي اللجنة الدولية ومسؤولي وحدة  الدعم النفسي بهيئة الإسعاف المصرية، بدأنا في التعرف على أهمية الدعم النفسي، ودعم الأقران في العمل. كان الأمر بالنسبة لي مفرحًا للغاية، فطول الوقت كنت أنا وزملائي نشتكي بأنه لا يشعر بنا ولا بمعاناتنا أحد. هذه كانت من المرات القليلة التي شعرنا أن هناك من يقدم يد العون لنا. مسؤولو الدعم النفسي الاجتماعي يشعرون بمعاناتنا، وكذلك يقدمون حلولًا عملية لمواجهة وتخفيف الضغوط.  وعليه، انخرطت في دورة تدريب مدربين في مجال الدعم النفسي الاجتماعي ودعم الأقران وهو ما انعكس إيجابيًّا على طريقة تعاملي مع زملائي في العمل، ومع المصابين الذين أتعامل معهم يوميًّا أثناء عملي، وكذلك على طريقة تعاملي مع أهل بيتي. هدفنا الحالي، لكل من شارك في تدريبات الدعم النفسي، أن ننقل ما تعلمناه إلى 15 – 20 متدربًا جديدًا في منطقة القاهرة الكبرى خلال العام 2016.  
نُشر هذا الموضوع في العدد رقم 61 (ربيع/ صيف 2016) من مجلة «الإنساني».