أفضت الصراعات العسكرية الأخيرة في الشرق الأوسط عن تفاقم أزمة اللاجئين بشكل غير مسبوق. فر الملايين من بلادهم خوفًا على حياتهم. هذه السطور تتناول التحديات العملية والقانونية التي فرضتها الموجة الأخيرة من اللجوء.
صدرت عن البلدان العربية، في العقود السبعة الماضية، موجات متلاحقة من اللاجئين، أقدم هذه الموجات هي موجة اللاجئين الفلسطينيين الذين بحثوا عن المأوى والحماية وسبل الإعاشة في البلدان المتاخمة لفلسطين، أي في الأردن ولبنان وسُورِيَّة وبأعداد أقل في العراق ومصر.
وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وصلت تدفقات اللاجئين العراقيين إلى الأردن وسُورِيَّة، وكذلك إلى مصر ولبنان. الانتفاضة السُّورِيَّة التي بدأت في آذار/ مارس 2011 نتجت عنها تدفقات للاجئين سرعان ما ارتفعت أعدادها وتضاعفت. اللاجئون من سُورِيَّة شملوا فلسطينيين كانوا مقيمين فيها بعد أن لجأوا إليها منذ العام 1948 ولم يغادروها في غيبة حل لقضيتهم. اتجهت التدفقات أساسًا إلى لبنان والأردن وتركيا والعراق، وكلها دول متاخمة لسُورِيَّة، وكذلك إلى مصر.
موجة اللجوء الحالية
سرعان ما أصبح لبنان أكبر بلد في التاريخ في إيواء اللاجئين نسبة إلى حجم سكانه، فقد استقبل ما يناهز 1,5 مليون مهاجر، ما بين مسجل وغير مسجل، يمثلون 25 في المائة من عدد سكانه. وفي الأردن، بلغ عدد اللاجئين السُّورِيين 700 ألف شخص، يمثلون 8 في المائة من سكانه. وعندما وصل هذان البلدان إلى درجة التشبع باللاجئين السُّورِيين في العام 2014، توجهت تدفقات جديدة، وتدفقات سابقة من لاجئين يبحثون عن بلد لجوء ثان، إلى تركيا التي تجاوز عدد اللاجئين فيها المليونين ثم المليونين ونصف المليون. لكن تدفقات اللاجئين لم تبق كلها في تركيا، فقد فاضت ووصلت إلى أوروبا.
عبر اللاجئون بحر إيجة ووصلوا إلى جزر اليونان، بغية مواصلة رحلة لجوئهم إلى الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في شمال القارة. لاجئون آخرون سلكوا طريق بلغاريا والصرب والمجر وفي نيتهم هم أيضًا الوصول إلى بلدان شمال أوروبا كألمانيا والسويد. تدفقات اللاجئين التي وصلت إلى أوروبا نمت بشكل هائل في العام 2014 ثم في العام 2015. مع اللاجئين الصادرين عن سُورِيَّة، وصل آخرون من العراق ومن بلدان أبعد مثل أفغانستان وإريتريا. ومنذ البداية، كانت التدفقات مختلطة، جمعت لاجئين ومهاجرين من العراق وباكستان وبنجلاديش ومن بلدان غرب أفريقيا.
إشكاليات قانونية وعملية
تدفقات اللاجئين السُّورِيين تثير قضية أساسية في العلاقات الدولية والقانون الدولي ألا وهي تلك الخاصة بالنظام الدولي للاجئين. المقصود بالنظام الدولي هنا هو مجموع المبادئ والقواعد والمعايير وإجراءات اتخاذ القرار المتفق عليها بشأن الحق في اللجوء.
النظام الدولي بهذا المعنى يتعلق بالإطار القانوني الدولي الذي ينظم اللجوء وكذلك بالتعاون الدولي في تحمل أعباء اللجوء الذي ينص عليه هذا الإطار. اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين هي الحاكمة لحماية اللاجئين، وتوفير سبل إعاشتهم، ووضع الحلول الدائمة لأوضاع كل منهم. هذه الموضوعات الثلاثة للاتفاقية مترابطة، فتوفير سبل الإعاشة لا مجال له إن لم يلق اللاجئون الحماية، وعدم توفر الحلول الدائمة يؤثر على قدرة البلدان المضيفة على توفير سبل إعاشة مستدامة للاجئين. أما الحلول الدائمة فهي العودة الطوعية للاجئين إلى أوطانهم، أو التوطين والاندماج في بلد الملجأ، أو إعادة التوطين في بلد ثالث.
مصر هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي صدقت على اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين. لا الأردن، ولا لبنان، ولا العراق، ولا تركيا فيما يخص اللاجئين من خارج القارة الأوروبية، أطراف في هذه الاتفاقية. ومع ذلك، فإن كل هذه البلدان، وبمقتضى القانون الدولي العرفي، استقبلت اللاجئين السُّورِيين ووفرت لهم الحماية.
غير أن الحماية، وخاصة الاستمرار في توفيرها، كما سبق، مرتبطة بسبل الإعاشة وبالحلول الدائمة. لبنان والأردن بلدان ناميان صغيران يواجهان المشكلات التقليدية للبلدان النامية، لا يقوى الاقتصاد ولا المالية العامة في كل منهما على الوفاء باحتياجات المواطنين في كل من البلدين، ناهيك عن اللاجئين. وسوق العمل في كل منهما عاجزة عن استيعاب العمال من بين المهاجرين. أما مصر، فهي تمرُّ بأزمة اقتصادية ممتدة.
ألقت أزمة اللجوء السُّورِيَّة الضوء من جديد على الفراغ القانوني في التعامل مع التدفقات الجماعية للاجئين. بعد الحرب العالمية الثانية، نشأ النظام الدولي للمهاجرين المستند إلى اتفاقية العام 1951 بغرض التعامل مع لاجئين أفراد أو مجموعات منهم على أقصى تقدير، وليس مع التدفقات هائلة الحجم التي خبرها العالم النامي في الخمسين عامًا الماضية.

طفلة سورية لاجئة تغادر مقر لجوئها المؤقت في اليونان، 2017. تصوير: Orestis Panagiotou/ Epa.

تحمل أعباء اللاجئين
التعاون الدولي في تحمل أعباء اللاجئين عنصر أساسي في النظام الدولي للجوء. ولكنه يتخذ شكلًا جنينيًّا. الفقرة الرابعة من ديباجة اتفاقية العام 1951 تنصُّ على أنه لا يمكن حلُّ مشكلة من مشاكل اللاجئين، تعترف الأمم المتحدة بأبعادها الدولية، دون التعاون الدولي في تحمل الأعباء المترتبة عليها. غير أن الاتفاقية تتوقف عند ذلك، وهي لا تفرد أي مادة فيها للتفصيل في أشكال هذا التعاون، وفي حسابه، وفي الطابع الإلزامي له، وفي سبل الوفاء به.
الحاجة إلى التعاون الدولي جلية لا لبس فيها في حالة البلدان النامية. بشأن اللاجئين السُّورِيين، بلدان الملجأ لا تستطيع إدماجهم فيها للأسباب الاقتصادية المذكورة أعلاه فضلًا عن أسباب أخرى سياسية عظيمة الأهمية في البعض منها. لذلك فإن التعاون الدولي حيوي للتصدي لمسألة اللاجئين السُّورِيين بشكل يكفل حقهم في الحماية وفي سبل إعاشة لائقة.
والتعاون الدولي هو أيضًا في صالح البلدان المصنعة المتقدمة، بما في ذلك الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي أخذ اللاجئون السُورِيون، مع غيرهم، يقصدونها بعد أن تشبعت بهم الدول المتاخمة لسُورِيَّة، لأنه يؤدي إلى خفض التدفقات المفاجئة وغير المتوقعة للاجئين. ولكن التعاون الدولي يمكِّنها أيضًا من أن تخطط مسبقًا، وأن تصوغ سياسات لاستقبال اللاجئين، وللتعامل مع طلبات اللجوء التي يقدمونها، ولإيوائهم. بالممارسة، وليس استنادًا إلى أي نص قانوني، اتخذ التعاون الدولي، في أزمة لاجئين بعد أخرى، شكل المعونة المالية والتقنية، وفرص إعادة التوطين.
أزمة اللاجئين هي وجه آخر لأزمة التعاون الدولي في تحمل أعبائهم. من الواضح أن التعاون الدولي الذي توفر لبلدان اللجوء الأولى التي قصدها اللاجئون السُّورِيون في المنطقة لم يكن كافيًا. لا أحد يجادل في أن فرص إعادة التوطين شحيحة للغاية.
في ربيع العام 2015، قدمت المفوضية الأوروبية مقترحات بشأن اشتراك الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في تحمل أعباء اللاجئين السُّورِيين الذين وصلوا إلى القارة الأوروبية فتكشف مستوى آخر لأزمة التعاون الدولي وهو مستوى التعاون داخل الاتحاد الأوروبي ذاته. في مقترحاتها المذكورة لنزع فتيل أزمة اللاجئين السُّورِيين، جددت المفوضية الأوروبية عندما أضافت إلى الأشكال التقليدية الثلاثة للحلول الدائمة أشكالًا غير مسبوقة مثل القبول لأسباب إنسانية، والكفالة الخاصة.
وها هو الاتحاد الأوروبي في مجمله يقرُّ ضمنًا بمصلحته في توفير التعاون الدولي بالاتفاق الذي عقده مع تركيا (في آذار/ مارس 2016) الذي تعهد بمقتضاه بتقديم معونة مالية لها في مقابل إبقائها على اللاجئين في أراضيها، بل وقبول إعادة بعضهم إليها إن لم تنطبق عليهم، في رأي الاتحاد، شروط التمتع بوضع اللاجئين. الاتفاق أثار ويثير تساؤلات عديدة بشأن اتساقه مع القانون الدولي ولكن ما يهمنا هنا فيه هو اتخاذه لواحد من أشكال التعاون الدولي.
إن الحاجة ماسة لطرح مسألة التعاون الدولي في تحمل أعباء اللاجئين، من سُورِيَّة ومن غيرها. بالإضافة إلى محاولات التجديد التي أثارتها أزمة اللاجئين السُّورِيين فإن هناك مثالًا من ماض ليس بعيدًا يمكن الاستفادة به عند طرح المسألة على النقاش الدولي وهو مثال التصدي الناجح لمسألة اللاجئين الفيتناميين في نهاية السبعينيات من القرن العشرين. ليس ضروريًّا الوصول مباشرة إلى تعديل اتفاقية العام 1951 أو إلى إبرام اتفاقية ملزمة جديدة تخص التعاون الدولي.
الحالة الراهنة للنظام الدولي تدعو للتواضع في الآمال المرجوة. ولكنه يمكن مناقشة جوانب التعاون الدولي كافة في تحمل أعباء اللاجئين في حالة التدفقات الجماعية، وتفصيل أشكاله ومعاييره وأسس حسابه وشروط تقديمه والاستفادة به، وأن تتخذ هذه كلها شكل الخطوط التوجيهية، أي القانون الدولي الرخو، انتظارًا ليوم أفضل في العلاقات الدولية.

**

نُشر هذا الموضوع في العدد رقم 61 (ربيع/ صيف 2016) من مجلة «الإنساني».

اقرأ أيضا:

عندما صمت الأطفال… قصة ما حدث في عملية إجلاء المدنيين من حلب