زيارة واحدة إلى «كوكس بازار» في الجنوب الشرقي من بنغلاديش، حيث لجأ أكثر من 600 ألف من مسلمي ميانمار بعد فرارهم من أعمال العنف، كفيلة بأن تفتح عينيك على الحقيقة المُرَّة والصادمة. مخيمات عشوائية، أمواج من البشر تتدفق على جانبيِّ الطريق، عائلات تنام تحت الشجر، وآخرون يركضون باتجاه شاحنات الإغاثة لالتقاط ما يستطيعون من مساعدات.
لا أنكر أنني لم أتوقع رؤية هذا الواقع، وأنا التي عشت في اليمن العام الماضي لمدة أربعة عشر شهرًا، وقبلها كنت شاهدة على الحرب في غزة في العام 2014. اعتقدت وقتها أنني رأيت أسوأ ما يمكن أن تسببه الحروب من معاناة.
لكن ما شاهدته في بنغلاديش فاق كل التوقعات والتصورات. ببساطة، جعلني مذهولة.

«لا يمكن لهذا أن يكون حقيقيًّا»، قلت لنفسي وأغمضت عينيَّ لثوانٍ: لعله كابوس عابر. لوهلة شعرت أن المكان ربما يكون موقعًا لتصوير فيلم ما، أو أن هذه الشوارع أُعدت لتستضيف ماراثون أو فعالية ما. نظرت حولي إلى زملائي الذين يرافقونني في السيارة، وكأنني أريد أن أتأكد أن ما أراه حقيقيٌّ. لكن السكون والصمت كانا سيدي الموقف. فقط من خلال النظر سريعًا في عيون النساء والأطفال والمسنين الذين مروا بالقرب من سيارتي رأيت الصدمة والفقر والبؤس في لمحة واحدة.
«لا يمكن لهذا أن يكون حقيقيًّا»، هكذا قلت لنفسي مرة أخرى.
أكثر ما أثار ألمي هو رؤية الأطفال الحفاة العراة الذين تبدو عليهم ملامح الجوع والمرض. تمنيت في هذه اللحظات لو أن هناك وصفة ما تزيد من مناعتك وتحَمُّلِك لمشاهد البؤس والتشرد! عندما وصفت لصديقتي لاحقًا ما رأيت، قالت لي: «لازم تكوني تعودتِ ع المعاناة»! لا أحد يمكنه أن يعتاد على هذا، بل أعتقد أنه مع كل منظر من مناظر الشقاء التي تراها تصبح أقل حصانة ومناعة.

«600 ألف إنسان [من ميانمار] شُردوا خلال أقل من شهرين ولو افترضنا أن كل شخص كان لديه حُلمٌ واحد لأدركنا أن مجرد التحدث عنهم بأرقام وإحصائيات هو خيانة لإنسانيتنا.». تصوير اللجنة الدولية في بنغلاديش.

على التلال مترامية الأطراف شاهدت عشرات الآلاف من البيوت البلاستيكية العشوائية التي نصبتها العائلات. إنه موسم الأمطار والحرارة العالية في بنغلاديش، ونصب سقف فوق رؤوس الأطفال أمرٌ مهم. الأمطار هنا «مجنونة» كما أُصفها. تبدأ فجأة، وتهطل بكثافة مُخيفة، تُغرِق الشوارع والبيوت وتجرف ما تجده في وجهها. وما هي إلا سويعات قليلة وتطلع الشمس وكأن شيئًا لم يكن. تمنيت لو يتوقف المطر للأبد. شعرت هنا أن المطر، النعمة التي ننتظرها عادة في بلدان الشرق الأوسط الجافة، مجرد نقمة. إنه بالنسبة لهذه العائلات سبب التشرد والفقر والضياع والجوع والصدمة. آخر ما يحتاجونه الآن هو المطر. ويبدو الحصول على مظلة الآن مساويًا في الأهمية للحصول على وجبة طعام.
تمنيت لو يتوقف المطر للأبد. إنه بالنسبة لهذه العائلات سبب التشرد والفقر والضياع والجوع والصدمة. آخر ما يحتاجونه الآن هو المطر.
أكملنا المسير إلى المنطقة الحدودية «كوناربارا» وهي أقرب نقطة على الحدود مع ميانمار. يعيش أكثر من سبعة آلاف شخص داخل المنطقة الحدودية، ويفصلهم نهر صغير عن بنغلاديش. لم يكن الوصول إلى الجانب البنغالي من الحدود سهلًا لنا بسبب المطر الشديد والوحل. اضطررنا أن نستعمل أحذية مطاطية ثقيلة وأن نلبس معاطف بلاستيكية لنتمكن من إيصال المساعدات. كان الالتزام الأول للجنة الدولية للصليب الأحمر أن تقدم المساعدات للعائلات العالقة على الحدود تحديدًا وذلك بالاتفاق مع حكومة بنغلاديش التي أولتنا حصرًا الثقة في تلبية احتياجات الأشخاص المتضررين في هذه المناطق الحساسة.
انتقلنا من «كوناربارا» إلى منطقة «جاديمور» حيث العيادة الطبية المتنقلة للجنة الدولية. عند وصولنا كان هناك ما يقرب من 400 شخص يصطفون للعلاج، معظمهم من النساء والأطفال. همست زميلتي قائدة الفريق الصحي لي «ليس كلهم مرضى. البعض منهم يشعر باليأس فقط ويريدون شخصًا ليستمع إليهم». في كل يوم يعالج الفريق الطبي أكثر من 500 مريض ويوفر لهم الأدوية. أكثر الأمراض الشائعة كانت الإسهال والحرارة والطفح الجلدي خصوصًا وسط الأطفال.

ما إن بدأت أزمة ميانمار تحتل عناوين وكالات الأنباء الدولية حتى أصبحتُ تحت ضغط شديد للرد على عشرات المكالمات من الصحفيين والمراسلين الذين كان اهتمامهم ينصب على الأرقام والإحصائيات. كم عدد من عبروا الحدود؟ كم نسبة الأطفال بينهم؟ يمكنك أن تُجيبَ بسهولة عن الأرقام، ولكنها تبقى أرقامًا ولا تعكس حقيقة الكارثة الإنسانية على الأرض. كيف يمكن لك أن تشرح لصحفيٍّ في لندن أو هونغ كونغ أو أستراليا نظرات الأطفال البائسة أو معاناة امرأة حبلى تصطف في طابور طويل للعلاج، أو دموع أُمٍّ لا تعرف ماذا حدث لأبنائها على الجانب الآخر من الحدود. هذا مستحيل، ببساطة!
600 ألف إنسان شُردوا خلال أقل من شهرين ولو افترضنا أن كل شخص كان لديه حُلمٌ واحد لأدركنا أن مجرد التحدث عنهم بأرقام وإحصائيات هو خيانة لإنسانيتنا.
سألني صحفي في إحدى المقابلات عن احتياجات الأُسر النازحة، فأجبت: إنهم يحتاجون إلى كل شيء لأنهم لا يملكون شيئًا. لم يكن الرد مقنعًا على ما يبدو، فطلب مني أن أكون أكثر تحديدًا، قلت: إنهم يحتاجون إلى الغذاء والماء والمأوى والصرف الصحي والرعاية الصحية، والأهم من ذلك أنهم بحاجة إلى الأمل. ماذا تقصدين بالأمل؟ سألني مرة أخرى. أعني أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر والجهات الفاعلة الإنسانية الأخرى يمكن أن تستجيب للاحتياجات قصيرة الأجل، ولكننا لا نستطيع تقديم إجابات لهم ماذا يخبئ لهم المستقبل أو متى ستنتهي معاناتهم.
كيف يمكن لك أن تشرح لصحفيٍّ في لندن أو هونغ كونغ أو أستراليا نظرا الأطفال البائسة أو معاناة امرأة حبلى تصطف في طابور طويل للعلاج، أو دموع أُمٍّ لا تعرف ماذا حدث لأبنائها على الجانب الآخر من الحدود. هذا مستحيل، ببساطة!
منذ بداية الأزمة، قررنا مع جمعية الهلال الأحمر البنغلاديشي الاستجابة للاحتياجات الملحة للأسر التي تقطعت بها السبل في المنطقة الحدودية. أكثر من 100 ألف شخص استفاد حتى الآن من مساعداتنا الغذائية، ومحاولاتنا في تقديم المياه النظيفة، وإصلاح نظام الصرف الصحي وتوفير الرعاية الصحية واستعادة الروابط العائلية. ومع أن هناك أكثر من 27 منظمة شريكة من الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر تقدم المساعدات في الميدان، إلا أننا نعترف أن ما نقدمه هو نقطة في بحر الاحتياجات الهائلة.

«آخر ما يحتاجونه الآن هو المطر. ويبدو الحصول على مظلة الآن مساويًا في الأهمية للحصول على وجبة طعام.»- الصورة من بعثة اللجنة الدولية في بنغلاديش.

أطلقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بنغلاديش وميانمار مناشدة للممولين من أجل رفع وتيرة العمليات الإغاثية التي تقدمها في كلا البلدين بهدف الوصول لعدد أكبر من العائلات المعوزة. «إنها لحظات مفصلية لوجودنا في جنوب آسيا، لا يمكننا أن نخذل هذه العائلات» كلمات رددها رئيس بعثة اللجنة الدولية في بنغلاديش خلال لقائه مع عدد من الدبلوماسيين الأجانب.
أثناء مغادرة المنطقة الحدودية، كان بعض الأطفال المشردين يضحكون ويلعبون تحت المطر وأقدامهم غارقة في الطين، هم لا يفهمون على الأرجح لماذا جاءت عائلاتهم إلى هنا، فبراءة الطفولة أبسط من أن تستوعب ما حدث، إنه فقط وقت للمرح بالنسبة لهم. ابتسمت وأنا أنظر لوجوههم المبتسمة. سبحان الله، الأطفال فقط يمكنهم أن يعطونا طبقات مختلفة من مشاعر الحزن والفرح في اليوم نفسه. بدأت يومي بنظرة الأطفال الجوعى، وأختمه بوجوه أطفال يلعبون ويصرخون جذلًا.
في طريق العودة للفندق وما إن جلست داخل السيارة حتى حركت إصبعي سريعًا على شاشة هاتفي وبدأت بتقليب الصور والفيديوهات التي التقطتها خلال اليوم. أنزلت المقعد قليلًا وعزمت على أن أغمض عينيَّ وأنام متمتمة لنفسي «هذا ليس وهمًا، إنه حقيقي ويحدث الآن في بنغلاديش».

 

لمعرفة المزيد عن أبعاد الآزمة الإنسانية لمسلمي ميانمار يمكنكم:

-متابعة تحدثيات وقتية بالصور والفيديوهات من حساب تويتر الخاص بـ اختيار أصلانوف، رئيس بعثة اللجنة الدولية في بنغلاديش.

– قصة صحفية مصورة على موقع اللجنة الدولية: أزمة راخين في ميانمار: حياة مدمرة واحتياجات مُلّحة

-كما أطلقت اللجنة الدولية «نداءً بشأن أزمة ميانمار» لجمع التبرعات للتخفيف من وطأة الأزمة الإنسانية هناك.