لولا «المواطن الصحفي» لما رأينا الصور التي تضم مئات الآلاف من المتظاهرين في ميادين مصر وتونس، أو مقاطع الفيديو التي توثق يوميات الحرب والمعاناة في سورية، أو غيرها الكثير من نقل حي لأحداث متسارعة تشهدها المنطقة العربية.
برزت مصطلحات «الصحافة الشعبية» و«صحافة المواطن» و«الإعلام البديل» و«الإعلام التشاركي» بقوة على الساحة العربية منذ العام 2011 إثر خروج التظاهرات الحاشدة الداعية للتغيير فيما سمي بـ «الربيع العربي». لم تقتصر التغطية الإعلامية للاحتجاجات الحاشدة والاشتباكات الدامية على الوسائل التقليدية مثل التليفزيون والصحف والمواقع الإلكترونية، وإنما امتدت لتشمل حسابات الأفراد على مواقع التواصل الاجتماعي. أصبح بإمكان أي شخص يحمل هاتفًا به كاميرا أن يتحول إلى مصور صحافي ينقل الحدث فور وقوعه ويشاركه مع آخرين. ويقول خبراء: إن بروز صحافة المواطن أثناء «الربيع العربي» يرجع إلى جملة من العوامل منها عجز وسائل الإعلام التقليدية عن نقل بعض الأحداث الهامة سواء بسبب الرقابة الحكومية أو المؤسسية على وسائل الإعلام، أو بسبب ندرة وجود مراسلين مؤهلين لتغطية هذا النوع من الأحداث الجماهيرية الضخمة التي لا تخلو في أحيان كثيرة من العنف والاضطرابات. خلق هذا البعد عن الأحداث من قِبل الصحافة التقليدية فجوة، استغلتها صحافة المواطن المتحررة أصلًا من أعباء الرقابة والتحكم المالي. أصبحت هذه الأدوات الإعلامية الجيدة هي ما تنقل صوت ونبض الشارع. وهو ما جعل البعض يطلق عليها مصطلح «صحافة الشارع».

أحد متطوعي فرق الإنقاذ في اليمن يأخذ قسطًا من الراحة أثناء انتشال جثامين الضحايا. تصوير: صالح باحليس.

مغزى الإعلام الجديد
تعتمد الصحافة الشعبية بشكل أساسي على التقنية التي تداخلت مع كل أوجه الحياة المعاصرة، لا سيما النشر الإلكتروني. فالهاتف الذكي أصبح مزودًا بكاميرات دقيقة، وشاشات كبيرة تساعد على الكتابة بسهولة، وبطاريات سريعة الشحن، والأهم من كل ذلك اتصاله المباشر والدائم بشبكة الإنترنت، مما يُسهل عملية نقل الأحداث على مواقع وتطبيقات صُممت خصيصًا لبث الفيديو المباشر مثل بامبيوزر (Bambuser) وبريسكوب (Periscope) وميركات (Meerkat). حفزت هذه المنصات شبكة التواصل الاجتماعي الأشهر «فيسبوك» إلى إضافة خاصية البث المباشر. ولعل أهم ما يميز صحافة المواطن، هو اعتمادها على المحتوى الذي ينتجه المستخدم (User Generated Content) وهو تطور نابع من رحم الإعلام الجديد (New Media). يختلف الإعلام الجديد عن التقليدي في إعطائه دورًا جديدًا للجمهور. فلم يَعُد الجمهور هو الفئة المستهدفة المتلقية للرسائل الإعلامية فحسب، بل تحول جزء من هذا الجمهور لمُنتج ومُشارك في صُنع محتوى خبري ينافس المحتوى الاحترافي الذي تنتجه المؤسسات الإعلامية، ويؤثر في الرأي العام الذي يتلقاه.
انتقادات
بالرغم من أهمية دور «الناشط الإعلامي» أو «المواطن الصحفي» في نقل المعلومة من مناطق يصعب الوصول إليها، لا سيما في مناطق النزاعات والاضطرابات، فإنه لا يتمتع بالضرورة بالمقومات والمؤهلات التي تجعله صحافيًّا. فالصحفي الممارس للمهنة غالبًا ما يكون دارسًا لعلوم وفنون الاتصال والإعلام، وملمًّا بضوابط وقواعد مثل الموضوعية في التغطية والصياغة الاحترافية وغيرها من المهارات التي يفتقر إليها المواطن الصحفي. يمثل الانحياز وغياب الموضوعية أهم الانتقادات الموجهة لصحافة المواطن. فالمواطن الصحفي إن لم يتأثر بميوله السياسية، فهو بالتأكيد متأثر بقناعات أخلاقية. وهنا يرى خبراء أن الصحفي ينبغي له أن يلتزم فقط بمعايير مهنية، فلا يمارس دور الناشط والصحفي في الوقت نفسه. من ناحية أخرى، يمكن القول بأنه لولا بروز ظاهرة النشطاء الإعلاميين المتأثرين بأخلاقيات ومبادئ معينة، لما وصلَنا ما رأيناه من «فضح» لممارسات قمع وتعذيب ومحاولات قتل لحرية الرأي والتعبير في بعض البلدان.
الانحياز وغياب الموضوعية أهم الانتقادات الموجهة لصحافة المواطن
هناك وجه آخر للنقد يتمثل في غياب الضوابط التي تحكم عمل المواطن الصحفي. ماذا إذا أخطأ المواطن الصحفي، فمن سيحاسبه؟ ربما يكون سبب انتشار الشائعات والأخبار المغلوطة على الإنترنت نتاجًا مباشرًا أو غير مباشر للصحافة الشعبية غير المتمتعة بمهنية في نقل ونشر المعلومة. ولكن لكل فعل رد فعل، فقد برزت مؤخرًا ظاهرة جديدة تتمثل في إنشاء مواقع وصفحات هدفها التحقق من صحة ودقة الأخبار المتداولة على الشبكات الاجتماعية. هذه المنصات يمكنها «ترويض» الصحافة الشعبية عن طريق التوعية بأهمية الخبر والمعلومة وأخطار تناقل الشائعات؛ وهو ما بدأ بالفعل في بعض البلدان الغربية والعربية من مبادرات لتدريب المواطنين الصحفيين على مبادئ ومعايير الصحافة المهنية.

تدين الثورات العربية للمواطن الصحفي بالشكر للمساعدة على الحشد والتوعية ونقل الصورة من كل مكان وفي كل الأوقات. الصورة من رويترز.

ولا تنفرد منطقة الشرق الأوسط بالطبع بظاهرة «المواطن الصحفي»، ذلك لأن هذا المواطن الصحفي موجود في مناطق العالم المختلفة، ونجح في إعطاء زخم لقضايا ربما غابت عن التغطية الإعلامية التقليدية اليومية. فقد كان له السبق في تصوير فيديو قتل شرطي لمواطن أعزل في مدينة فيرجسون الأميركية، تلك القضية التي اتخذت طابعًا عرقيًّا، وجذبت اهتمام الرأي العام الأمريكي. وفي البرازيل، إبان الحركات الاحتجاجية في أواخر العام 2013، أطلق بعض النشطاء الإعلاميين على أنفسهم اسم «ميديا نينجا»، وقد جذبوا الاهتمام العالمي بتغطيتهم المتميزة والحية من شوارع البرازيل. أما في الهند، فللمواطن الصحفي دور مختلف قليلًا، فهو يسلط الضوء على قضايا الفساد والفقر المنتشر في مناطق نائية لا تحظى غالبًا بتغطية الإعلام التقليدي. وفي جنوب أفريقيا، اختير شيليدزي تواني (Tshilidzi Tuwani) كأفضل مواطن صحفي في العام 2014، وذلك لتسليطه الضوء على قضايا هامة مثل التحديات التي يواجهها العاملون في مجال الرعاية الصحية وحق المرضى في الحصول على الدواء.
بالعودة للمنطقة العربية، تدين الثورات العربية للمواطن الصحفي بالشكر للمساعدة على الحشد والتوعية ونقل الصورة من كل مكان وفي كل الأوقات. فنجاح الصحافة الشعبية في تجاوز قصور وعجز الصحافة التقليدية، أثبت قدرتها في التأثير على الواقع وتشكيل موجة ثورية جديدة في نظم وأطر الإعلام والصحافة. وبتعزيزها للاستقلالية في استقصاء الأحداث ومشاركة الجمهور في اختيار الأولويات، تلعب الصحافة الشعبية دورًا محوريًّا في صنع تفاعل ما لبثت الصحافة التقليدية أن تبنته وخصصت له مساحات دائمة سواءً على برامجها التليفزيونية والإذاعية أو على صفحاتها الورقية والإلكترونية.

**

نُشر هذا الموضوع في العدد رقم 61 (ربيع/ صيف 2016) من مجلة «الإنساني».

اقرأ أيضا: 

عبير سعدي: من صحافي محلي إلى مراسل حربي… الأحداث التي لا يتناولها الإعلام بالتغطية لا تكتب في التاريخ