كانت السينما السورية دومًا لصيقة بالواقع السياسي والاجتماعي. اكتسبت هذه السينما صفات خاصة؛ جديتها وقدرتها التعبيرية عن الواقع وعن رؤى مخرجيها وذواتهم وهمومهم وهواجسهم السياسية والفكرية. في السنوات الأخيرة، حاولت عدسة السينما السورية أن تلاحق طبول الحرب التي لا تزال تقرع.  
 منذ الثمانينيات، تبلور ما يشبه الموجة الجديدة في السينما السورية من خلال مجموعة من المخرجين الذين درسوا الإخراج السينمائي في الاتحاد السوفيتي. المخرج محمد ملص قدم الفيلم السوري الأكثر شهرة «أحلام المدينة» (إنتاج 1982)، من كتابة زميله المخرج سمير ذكري. تناول الفيلم حقبة هامة من تاريخ سورية دون أن يظهر بشكل الفيلم الذي يحاول أرشفة هذه الحقبة.
أراد ملص خلق انسجام وتماهٍ بين الواقع الشخصي والذاتي المرتبط بالذاكرة والبيئة السياسية المتغيرة والعنيفة جراء الانقلابات العسكرية المتتالية التي أفضت في النهاية إلى الوحدة بين سوريا ومصر (1958-1961). حاول ملص وضع صورة بانورامية عن نوعية العلاقات الاجتماعية التي نشأت في ظل واقع شديد التغير، وأثر السياسة في الحياة المعاشة.
قبله بعام كان للمخرج سمير ذكري تجربة لا تقل أهمية في فيلم «حادثة النصف متر»، الذي كتبه وأخرجه، وفيه استعرض واقع شخصية مهزومة من الداخل، عكس من خلالها شكل ومضمون العقلية الاجتماعية السائدة والارتباط الضمني الذي لا يمكن تجاهله بين الفرد وطبيعة مجتمعه، وبين الخيبة الخاصة وخيبة الأمل الثقيلة التي رسمت ملامح المجتمع.
شهد عقد الثمانينيات أفكارًا استفادت من تجارب السينما السورية الغنية في السبعينيات، لا سيما تجارب المخرج نبيل المالح (1936 – 2016)، والمخرج العراقي قيس الزبيدي والمخرج المصري توفيق صالح (1926- 2013) في أفلام: الفهد (إنتاج 1972) واليازرلي (إنتاج 1974) والمخدوعون (1973). منحت هذه التجارب السينما السورية مناخًا خاصًّا وقدرة على معالجة الجروح النازفة، والرغبة في استغلال كل خصائص الفرد والمجتمع لطرحها بأسلوب فني. ظهرت هذه السمات وبحرفية عالية في فيلم نجوم النهار (إنتاج 1988) للمخرج أسامة محمد، وفي فيلم اللجاة (إنتاج 1993) للمخرج رياض شيا، وفي فيلم المخرج عبد اللطيف عبد الحميد الذي ظهر في العام 1989، ليالي ابن آوى. أحدث هذا الفيلم نقلة نوعية في السينما السورية، فقد أخذ الكاميرا إلى أماكن وبيئات كانت السينما السورية غريبة عنها. نقل بيئة الريف بمزج أخاذ ما بين الكوميديا والتراجيديا ليصنع طابعًا لا تنقصه الجرأة ولا تعوزه الرغبة في البحث عن السينما في أماكن تبدو للوهلة الأولى «لاسينمائية». تبع ذلك بفيلمه الأخاذ رسائل شفهية (إنتاج 1991)، وفيه كرس أسلوبيته الهامسة البريئة في الشكل، العميقة والحادة في المضمون. نال هذا الفيلم ما ناله سابقه من شعبية جارفة وإقبال مميز على الصعيدين النقدي والجماهيري.
في التسعينيات حاول عبد الحميد صنع عوالم لا تقل براءة أو جرأة، لكن مع نبرة تجريبية كشفت قدرته على الاقتحام واللعب في المساحات المعتمة. بدا فيلم صعود المطر (إنتاج 1995) وكأنه الفيلم الأول له رغم أن ترتيبه الثالث في قائمة الأفلام التي أخرجها. في هذا الفيلم، ألقى عبد الحميد بكثير من الصور المستفزة النائمة في مخيلته بين الكوادر، وصنع مناخًا يملك من الغرابة ما يملك من الحساسية. كان مدخلًا ليرمي ما في جعبته من أفلام في التسعينيات؛ الفترة التي قدم فيها أغلب أفلامه.
سينما الأزمة القاسية
الأزمة السورية التي بدأت في العام 2011، كانت على قسوتها بالنسبة للسينمائيين، مادة يمكن التعبير من خلالها، مادة غنية قادرة على إنبات ليس فقط أسماء جديدة، بل وأساليب جديدة، لا سيما أن الحرب التي نشبت تركت ندوبًا على كل الجسد السوري. مزقت وخلقت خللًا لا يمكن تجاهله أو التغاضي عنه. أزاحت الستار عن كثير من المكنونات وسمحت للشوائب السياسية والفكرية والأخلاقية بأن تطفو وتتراكم. عبثت بالمفاهيم وخلقت تراجيديتها الخاصة. بعض المخرجين فضَّل الغوص في هذا الحيز القاتم، وبعضهم فضل الصمت، ومنهم من بحث عن منابر أخرى.

مشهد من الفيلم السوري مريم (2012)

باسل الخطيب، المخرج الذي هيمنت المسلسلات التليفزيونية على مسيرته، لجأ للسينما التي تخرج من معهدها ليقدم برؤية بصرية متماسكة عددًا من الأفلام التي كرست أسلوبيته الجمالية كأفلام: مريم (2012)، والأم (2013)، وسوريون (2016). بينما طُرح اسما جود سعيد ومحمد عبد العزيز كاسمين واعدين يملكان من الموهبة والحرفة ما جعلهما خلال فترة ما بعد اندلاع الصراع في سورية أبرز أقطاب السينما في هذا البلد المنكوب بالحرب. فكان تواجدهما استمرارية لا تقل أهمية عن الاستمرارية التي خلقها جيل الثمانينيات.
جود سعيد طرح نفسه كمخرج قادر على خلق عالم تنتج فيه الكوميديا من قلب الألم، شخصياته تحب الحياة غصبًا عنها، تبحث عنها بين أكوام الجثث ودخان الحرائق، وبمشاركته لعبد اللطيف عبد الحميد الذي كان ممثلًا في أغلب أفلامه. في فيلمه بانتظار الخريف، وهو فيلمه الوحيد الذي جاء صريحًا عن تداعيات الأزمة السورية بعدما قدم فيلمين: مرة أخرى (2009) وصديقي الأخير (2013). ظهر في الفيلمين النوازع الشخصية المرتبطة أساسًا بالحدث السياسي. في فيلمه الأخير، كرس بصمته البصرية الخلاقة، وتعامل مع حالة شبه عائمة من الشخصيات. وقد نال بانتظار الخريف جائزة أفضل فيلم عربي في مهرجان القاهرة السينمائي (الدورة 37 في العام 2015).

 

أما محمد عبد العزيز فقد كان يبحث في العوالم المتوازية لشخصياته، بتراكيب مونتاجية قادرة على ربط ما يبدو ظاهريًّا غير قابل للارتباط. عقلية جديدة ومنفتحة تتمتع بالليونة الشديدة والحس التجريبي العالي ليتحول معها كل فيلم من أفلامه لمختبر شعوري بصري فكري يدخل مشاهديه في دوامات تنتج عن بعضها البعض كما في فيلمه الرابعة بتوقيت الفردوس (2015). الفيلم مختبر آثر عبد العزيز تركيبه بعقلية تجديدية تحب التحدي، سبق لها أن تعاملت مع أفلام المكان الواحد وسينما الدوغما. المهاجران، هو الفيلم السوري الأول الذي وظف شروط هذا التيار السينمائي، وهو مقتبس عن مسرحية بالاسم نفسه. نال عبد العزيز جائزة أفضل فيلم في مهرجان روتردام للفيلم العربي. 
كانت السينما ولا تزال حيزًا قادرًا على تقطيب الجروح أو فتحها، على إعادة صياغة المفاهيم وامتصاص الأزمات وتكثيفها. الأزمة السورية في الوقت الذي جاءت فيه مؤلمة، أتت على جميع التفاصيل الحياتية للإنسان السوري، إلا أنها استطاعت أن تشحن العين والعاطفة لديه.
نُشر هذا الموضوع في العدد رقم 61 (ربيع/ صيف 2016) من مجلة «الإنساني».