«الحرب دقت بابنا… جريت مثل الجميع، لكني أدركت أن تاريخًا مزيفًا سيُكتب، فبقيت حتى أوثق ما أراه». هكذا سرد مصور صحافي سوري، قصته التي بدأت في مدينته دير الزور. التفاصيل تختلف لكن الجوهر واحد. قصة تبدأ بمواطن حاصرته الثورات العربية التي انقلب بعضها إلى حروب.
الحياة ليست كلها اختيارات. المراسل الحربي تخصص محدد يختاره الصحافي عادة بعد الخضوع لتدريبات متخصصة للعمل في بيئات معادية، يراعي فيها العوامل المهنية والبدنية والنفسية. بعدها يسافر إلى البلد الذي يشهد صراعًا أو حربًا ليغطي الأحداث ثم يعود لوطنه. الوضع يختلف للصحافي المحلي والمواطن الصحافي. كلاهما دقت الحرب بابه وحاصرته. الثمن الذي يدفعه قد لا يقتصر على إصابته أو حتى فقدان حياته. الأمر يمتد لسمعته وحياة أسرته وأصدقائه وجيرانه.
صديق صحافي مصور من حلب ذهب لتصوير مدرسة تعرضت لقصف جوي. يؤمن هذا الصديق أن هدفه هو فضح العدوان على الأطفال، وبينما هو منهمك في عمله فوجئ بجثة ابن صديقه. جمع الأشلاء، وهو مصدوم، وقرر هجر الصحافة التي بلا قلب، على حد قوله. بعد أيام عاد ليفضح عدوانًا آخر. القصة نفسها سمعتها من صحافي ليبي فوجئ بجثماني صديق عمره وجاره خلال تغطيته لقصف طريق.  هو أيضًا عاد لعمله. السبب فسره لي زميل ثالث بمدينة حلابجة بإقليم كردستان العراق قائلًا: «الأحداث التي لا يتناولها الإعلام بالتغطية لا تكتب في التاريخ».

من مشاهد الدمار في حلب السورية (تصوير: Abdalrhman Ismail/ REUTERS)

توثيق الصراع
كثيرًا ما أتلقى سؤالًا خلال تدريبات السلامة المهنية التي أقدمها، خاصة بعد بدء انتفاضات وثورات المنطقة العربية، ماذا لو خُيرت بين عملك والمشاركة في حدث تؤيده؟ إجابتي كانت تبدأ بعرض مجموعة تغطيات منها الفيديو الشهير لمواجهة قوات الأمن المصرية لآلاف المتظاهرين فوق كوبري قصر النيل قبل دخول المتظاهرين ميدان التحرير عصر يوم 28 كانون الثاني/ يناير 2011.
كانت الزميلة نورا يونس مع فريق العمل في صحيفة المصري اليوم في شرفة فندق مجاور تصور المشهد المهيب. «كنت أعلم أن أمي وزوجي وابني بين المتظاهرين القادمين من اتجاه الجيزة، وربما كانوا بين الجموع التي يتم دهسها بالسيارات المصفحة وإلقاء الغاز المسيل للدموع عليها… كان عليَّ أن أختار، في ظل قطع الاتصالات كافة في هذا اليوم، بين التخلي عن الكاميرا والنزول لأكون جسدًا وصوتًا إضافيًّا وسط الجموع أو أن أبقى لأوثق الحدث».

الصحافية نورا يونس: كان عليَّ أن أختار، في ظل قطع الاتصالات كافة في هذا اليوم، بين التخلي عن الكاميرا والنزول لأكون جسدًا وصوتًا إضافيًّا وسط الجموع أو أن أبقى لأوثق الحدث

نورا اختارت أن تبقى وتوثق، لذا علمنا أن هناك من قضى نحبه في هذه البقعة. نعم هناك بعض الاختيارات لكن معظمها مر. كيف يمكن للصحافي المحلي أن يفصل نفسه نفسيًّا عن الحدث الجلل الذي يعيشه ويوثقه بإتقان؟ الإجابة هي أن تذكر نفسك دائمًا بسبب وجودك في موقع الحدث. التوثيق دليل حدوث كارثة أو اعتداء ما. لا تكن جزءًا من الحدث، وتذكر أن أحداثًا كثيرة وقعت، ولم نعرف بها لأن أحدًا لم يوثقها.

أحد متطوعي فرق الإنقاذ في اليمن يأخذ قسطًا من الراحة أثناء انتشال جثامين الضحايا. تصوير: صالح باحليس.

لكن هل عليَّ أن أساعد من بموقع الحدث؟ الإجابة تستلزم سؤالًا آخر عما إذا كان بالموقع أشخاص آخرون يقدمون المساعدة؟ إذا كان هنا من يقدم المساعدة، ففي هذه الحالة ركز في عملك، أما إذا كنت الشخص الوحيد، فاسأل نفسك كمصور، هل لديَّ ولو دقيقة لالتقاط الصورة ثم المساعدة. إذا استطعت، التقط الصورة ثم ساعد الضحية، أما إذا لم تكن هناك دقيقة فأنقذ الشخص لأن الحياة الإنسانية هي الأغلى. الواقع هو أن النقاش السابق يستغرق حياة كاملة ليستطيع المصور مُسامَحة نفسه على ذنب لم يقترفه غالبًا، ويزيد إحساسه بالذنب إذا كان صحافيًّا محليًّا يعيش في موقع الحدث.
أعرف صحافيين اضطروا لجمع أشلاء أصدقائهم وأطفالهم. أعتذر لاستحضار تلك الصورة ولكنها مهمة لإدراك قسوة الحرب ووطأتها على الجميع، فما بالك بمصور مهمته توثيق مقتل أهله والاعتداء عليهم.
كنت حتى وقت قريب أدرب الصحافيين على تغطية الحروب والنزاعات وأعرض عليهم مشاهد القتال دون أن أدري أنني أعرضهم دون قصد مني لاسترجاع ذكرياتهم وإيذائهم نفسيًّا حتى نبهتني صديقة معالجة نفسية. التقيت مؤخرًا بمدير «مركز دارت للصحافة والصدمات» (The Dart Center for Journalism and Trauma)، وهي شبكة تهدف لتحسين التغطية الإعلامية للصدمات والنزاعات والكوارث. قدم لي مدير المركز مجموعة من النصائح. بدأ حديثه بتساؤل منطقي لنا معشر الصحافيين: «لماذا تكتفون بتقدير الأكثر شجاعة واختيارًا لطريق المخاطر، لماذا لا تقدرون من يدرك متى يتوقف عن المجازفة. أنتم تقتلون زملاءكم، إن لم يكن بالحرب فبآثارها».
هذا الكلام فتح عينيَّ على عالم متكامل قائم على علاج من يتعرضون للصدمات، خاصة الصحافيين أو العاملين في المجالات الإنسانية. وجدت أن تدريبي المتخصص لن يستقيم دون أن أقوم بدور يشبه المعالج النفسي، ليس فقط للمتدربين بل لطريقة تعاملهم مع الضحايا في الحروب والكوارث. أنتج الزملاء في صحيفة المصري اليوم فيلمًا بعنوان الثورة خبر، وثقوا فيه تجارب خمسة منهم كان عليهم الاختيار عند تغطية ثورة 25 يناير بين المشاركة في الحدث أو تغطيته. كان الاختيار صعبًا، لكنهم اختاروا التوثيق وتحولوا فيما بعد من صحافي محلي إلى مراسل حربي، منهم من قابلت لحظة دخول الكتائب المعارضة للعاصمة الليبية طرابلس وتحديدًا باب العزيزية. الحال نفسه مع باقي الزملاء الذين غطوا الأحداث في سورية والعراق.

العالم لم ينتبه لمأساة الصحافيين في مناطق عدة من الشرق الأوسط إلا بعد مقتل العشرات منهم عمدًا

اقترب بشكل كافٍ
«إذا كانت الصورة ليست جيدة بشكل كافٍ، فهذا يعني أنك لم تقترب بقدر كافٍ»، عبارة يدركها كل مصور، خاصة مصوري الحروب والصراعات، الذين يعرفون أن اقترابهم من الحدث قد يكلفهم حياتهم. عملت بجوار مصورين على خط النار في تغطياتي الصحافية لحروب مختلفة. القاسم المشترك كان شجاعة كل مصور اختار الحرب ميدانًا لعمله. المرات التي كدت أصاب فيها كانت بسبب الكاميرا، فخلال الحرب، يستهدف الجميع الكاميرا، ويصبح المصور الصحافي وراء الكاميرا هو الضحية في حالات كثيرة.

من مظاهر النزاع المسلح في ليبيا، 2015. (تصوير: Goran Tomasevic/REUTERS).

رزان (اسم مستعار) فتاة سورية من مدينة الرقة السورية، اختارت القيام برحلة خطيرة. ارتدت نقابًا يخفي هويتها وذهبت مسلحة بكاميرا صغيرة أخفتها في حقيبة يدها. صورت المدينة في أوقات القتال، وهو أمر كاد أن يكلفها حياتها. لكن من يحمي رزان وغيرها من الصحافيين المحليين؟ العالم لم ينتبه لمأساة الصحافيين في مناطق عدة من الشرق الأوسط إلا بعد مقتل العشرات منهم عمدًا. كرست عامًا من حياتي لإنجاز رسالة ماجستير عن الفيديوهات التي يصورها الصحافيون في مناطق الصراع المسلح في الشرق الأوسط. تحركت قرب مناطق الصراع، لأستكشف كيف وقع الصحافيون المحليون بين مطرقة وسندان الجماعات المتناحرة. عدد الصحافيين المحليين الذين سقطوا ضحايا الصراعات غير محدد.
لكن عمومًا، لا يحظى الصحافيون المحليون إلا بقليل من الاهتمام إذا وقع عليهم اعتداء. أرجو أن تلتمسوا لي عذرًا حين أردد ما قلته في جلسة سلامة الصحافيين التي عقدتها مفوضية حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة بجنيف قبل عام. إذا كنت أشير بتسعة أصابع اتهام لقتلة الصحافيين والمعتدين عليهم، فإن الأصبع العاشر لابد أن يوجه لبعض وكالات الأنباء والصحف العالمية التي تستغل هؤلاء الصحافيين لتغطية الأحداث العنيفة التي تقع في أوطانهم، دون أدنى مسؤولية منها تجاههم. أذكر تصميم مصور صحافي سوري من حلب على العودة من تركيا لداخل سورية حتى يلتقط صورًا لوكالة أنباء شهيرة عينت مصورًا شابًّا بدلًا منه.
بعض وكالات الأنباء والصحف العالمية لا ترسل أحدًا من صحافييها، وتؤمن عليه إلى تلك المناطق. البديل هو منح الضوء الأخضر لصحافي حر أو صحافي محلي أو مواطن صحافي كي يخوض المخاطرة. فإذا جاء بصورة أو قصة اشتروها حصريًّا بثمن بخس، أما إذا أصيب فلا مسؤولية عليهم. الشيء نفسه تفعله بعض الصحف المحلية نفسها حين ترسل شباب الصحافيين الذين يعملون بالسخرة أو بالقطعة لديها دون عقود عمل أو تأمين على الحياة أو معدات أمان أو تدريب للسلامة إلى الخطوط الأمامية في المواجهات.
إفلات من العقاب
في الواقع إن افلات قتلة الصحافيين والمعتدين عليهم من العقاب، هو ما يشجع على تكرار الاعتداءات. اتفاقيات جنيف وما تنص عليه من حماية المدنيين لم تعد كافية للصحافيين. «بالنسبة لنا كصحافيين محليين مدنيين في مناطق القتال، فهذه الاتفاقية لا تعني لنا شيئًا»، عبارة كثيرًا ما أسمعها خلال محاضراتي، خاصة عندما أتحدث حول عدم جواز حمل الصحافي لسلاح وضرورة أن يتجنب الصحافي أن يكون في حماية فصائل مسلحة، وذلك ضمانًا لتغطية مستقلة. يبدو كلامي غير واقعي، خاصة في النقطة الأخيرة. لقد سيطرت الفصائل المسلحة على مناطق واسعة في أماكن النزاعات، وأصبح التحرك دون حماية فصيل، شبه مستحيل في بعض الأحيان.
في أيلول/ سبتمبر الماضي دعتني جامعة أوسلو بالنرويج للمشاركة في مؤتمر حول الصحافيات في الحروب. اخترت الحديث عن الصحافيات المحليات اللاتي شاركن في تغطية ثورات وحروب «الربيع العربي» الذي لم يكن ربيعًا. نور كلزي، كانت مدرسة لغة انجليزية عند بدء الانتفاضة الثورية. وقتها عملت مترجمة للمصورين الأجانب قبل أن تقرر رفع الكاميرا وتغطية الأحداث. نور فازت مؤخرًا بجائزة الشجاعة الدولية من الاتحاد الدولي للإعلاميات. دفعت نور أثمانًا باهظة تدفعها النساء في الحرب. واحدة من قصص نور كانت في طريق عودتها عندما رافقت أسرة سورية في رحلة دفن رضيع مات بسبب الحرب. أصيبت نور في انفجار على الطريق.

إفلات قتلة الصحافيين والمعتدين عليهم من العقاب، هو ما يشجع على تكرار الاعتداءات

نعم هناك ضرورة لوجود صحافيين محليين لتغطية الحروب والنزاعات والانتفاضات، لكن واجبنا جميعًا حمايتهم. المسؤولية ليست أخلاقية فحسب، بل حتى يكتب التاريخ صحيحًا دون تزييف. تحية لهيئات ومنظمات ترصد الانتهاكات وتدعم الصحافيين بتدريبات سلامة مهنية ورقمية ونفسية. لكن بدون تغيير القوانين الدولية والمحلية وملاحقة المعتدين وإدانتهم لن يكون هناك تغيير. شخصيًّا لن أتوقف عن الذهاب لجبهات القتال وتدريب الصحافيين على إجراءات السلامة ودعمهم بكل جهد أستطيعه. طوبى لزملائي وزميلاتي الصحافيين المحليين القابضين على الجمر. هم لم يختاروا الحروب أو الصراعات لكنهم ثبتوا فيما فضَّل غيرهم الفرار. هؤلاء هم جبهتنا الأخيرة لمحاولة فهم تاريخ يكتب حاليًّا بينما يحاول آخرون تزييفه.

نُشر هذا الموضوع في العدد رقم 61 (ربيع/ صيف 2016) من مجلة «الإنساني».