كرست زهرة** حياتها لتربية أبنائها العشرة ورؤيتهم يكبرون أمام عينيها، خمسة ذكور وخمس إناث هم أغلى ما عندها. يوسف ابنها الثاني كان حنونًا والأكثر قربًا منها منذ صغره. كان سندها كلما انتابها الحزن ولو لبُرهة، يعدها بأنه سيرعاها بأفضل شكل عندما يصبح رجلًا قادرًا.

ومع بلوغ يوسف سن العشرين، رحل عن السعودية إلى الهند من أجل استكمال دراسته. ولم يتوقف عن التواصل مع أمه لمدة عامين كاملين، غير أن أخبار يوسف انقطعت فجأة بعد ذلك.

الانتظار المرُّ

لم تفهم زهرة ما حدث. وبالرغم من يقين إحساس الأم بأن يوسف ما يزال حيًّا، وأن ظروفًا ما منعته من الاتصال بها، كان القلق والتوتر ينهشانها، لجهلها مصير ابنها أو السبب الذي منعه من التواصل معها. لكنها لم تملك سوى الصلاة والدعاء حتى يعود إليها سالمًا، أو على الأقل لتعرف ما حل به. ظنًّا منها أن معرفة مصير ابنها سيكون نهاية حزنها عليه. لكن سنتين مرَّتا عليها من دون أية معلومات تطمئن قلبها، حتى جاءها الخبر عبر الراديو. ففي أحد الأيام، وبعد انتهائها من الصلاة، فتحت جهاز الراديو صدفة لتسمع اسم ابنها يُذكر، ولتعلم أنه محتجز في باكستان من دون أية تفاصيل أخرى.

كانت تلك بداية مرحلة جديدة من المعاناة.

لم تتمكن زهرة من التواصل مع يوسف خلال فترة احتجازه في باكستان، أو معرفة سبب احتجازه، أو ظروف معيشته داخل السجن، وهو الأمر الذي أثر سلبًا على نفسيتها وصحتها، فأصابها الاكتئاب وداء السكري، ودخلت المستشفى مرات عدة، ما منعها من الاهتمام بأبنائها الآخرين.

الأسلاك الشائكة المحيطة بمعسكر غوانتانامو. تصوير: أنا نيلسون، اللجنة الدولية، 4 فبراير 2014.

 تجدد الأمل

حال زهرة هذه استمرت قرابة العشر سنوات. لا معلومات ولا تواصل. فبعد انقطاع الأمل بشكل شبه نهائي لديها، وفي أحد أيام ربيع العام 2007، سمعت زهرة طرقًا على الباب، ففتحت لتجد مندوبة من هيئة الهلال الأحمر السعودي تخبرها أن يوسف معتقل في غوانتانامو، وأن اللجنة الدولية للصليب الأحمر تمكنت من مقابلته. وقدمت لها مندوبة الهلال الأحمر رسالة كتبها لها ابنها.

ففي العام 2006، تمكنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر من زيارة يوسف، حيث قابلته مندوبة اللجنة الدولية، وقامت بتسجيله واستلمت منه رسالة صليب أحمر، كتب فيها أخباره وكلمات الاشتياق والحب لوالدته.

قامت اللجنة الدولية بعد ذلك بالتواصل مع هيئة الهلال الأحمر السعودي للبدء في رحلة البحث عن عائلة يوسف، وهو بحث استمر شهورًا عدة بسبب انتقال العائلة لبيت جديد. لكن الهلال الأحمر السعودي استطاع في النهاية إيجاد العائلة وإيصال الرسالة إليها.

تقول زهرة: «رسالة الصليب الأحمر فتحت باب الأمل لي بعد سنوات الانتظار الطويلة».

 بعد ذلك توالت رسائل يوسف إلى عائلته التي كانت ترسل إليه ردودها. وأصبحت كل زيارة من مندوبة اللجنة الدولية بمثابة عرس في بيت زهرة وداخل قلبها، خاصة مع علمها أن المندوبة ترى ابنها بشكل مستمر وتطمئنها عليه. تقول زهرة «والله في كل مرة تأتي المندوبة إليَّ، تكون فرحتي تمامًا كأنني رأيته بنفسي».

العيون تلتقي

ثم جاء الوقت لترى زهرة ابنها ثانية ولو عبر شاشة. فقد سُمِح للجنة الدولية مؤخرًا بإجراء مكالمة مرئية ليوسف مع عائلته. وبعد تردد سببته رهبة اللحظة، وافق يوسف على إجراء الاتصال، وأفصحت مندوبة اللجنة الدولية في زيارتها التالية لزهرة عن رغبته هذه.

وفي يوم الاتصال، حضر إلى مقر الهلال الأحمر السعودي خمسة أفراد من عائلة يوسف لرؤيته للمرة الأولى منذ 25 عامًا. كان البكاء سيد الموقف، وزاده في بداية المكالمة عدم تعرف يوسف على أخته التي حضرت اللقاء. لا حرج عليه فهي كانت طفلة عمرها أقل من عام، عند رحيله إلى الهند. لكن البكاء ظل يتجدد كلما تبادل أفراد العائلة مع يوسف ذكرياتهم حين كانوا يعيشون معًا. ظل أفراد العائلة بعد المكالمة يتذكرون ويرددون الكلمات التي قالها لهم بعد طول الفراق. «والله لقد أعدتم الحياة إلى عائلتنا» قالت زهرة.

ومع رؤية زهرة لابنها بعد كل تلك السنوات، فهي الآن يحدوها الأمل إلى اليوم الذي تراه يعيش معها مرة ثانية. وتحلم «مثل كل أم، أن أراه يتزوج ويعيش حياة مستقرة، وأرى أولاده يلعبون من حولي في سعادة وهناء».

*نايلة جليكي هي مسؤولة قسم إعادة الروابط العائلية، وأحمد أبو غزالة هو مندوب الإعلام السابق في البعثة الإقليمية لدول مجلس التعاون الخليجي في الكويت.

**جرى تغيير الأسماء ضمانًا للحفاظ على خصوصية العائلة.

اقرأ أيضا على موقع اللجنة الدولية: رؤية أحد معتقلي غوانتانامو: سامي الحاج