لطالما اعتبرتْ مجلة «الإنساني» ابنًا مميزًا للجنة الدولية للصليب الأحمر، حظي بحرية تحريرية أكبر، مقارنة بإصدارات اللجنة الدولية الأخرى التي تحكمها كثير من القواعد. فالفكرة التي انطلقت من «المركز الإقليمي للإعلام» في القاهرة قبل نحو 19 عامًا، وتحديدًا في تشرين الأول/ أكتوبر من العام 1998، شكلت منذ البداية تحديًا للمنظمة، وتحديًا لمن توالى على مسؤولية إنتاج محتواها. فهي حاولت، ولا تزال، أن تجمع بين نمطين من الإعلام: الإعلام المؤسسي الذي يهدف للترويج لمبادئ وأنشطة منظمة، تحمل ثقل تاريخ من العمل الإنساني يزيد اليوم على 150 عامًا، وصحافة مهنية محترفة تخاطب عقل قارئها بلغته وثقافته العربيتين، وتحترم ذكاءه، وتحاول تقديم مادة مميزة دقيقة ومحايدة له.

في هذين العقدين من عمر «الإنساني» تولى مسؤولية تحريرها ثلة من أبرز الصحافيين المصريين، بذلوا الجهد الواسع لضمان أن تكون المجلة منبرًا للكتابة الرصينة. ونحن نفخر بأن من صمم الماكيت الأساسي لها وأشرف على تنفيذه حتى وفاته، أحد أهم المصممين العرب «صانع الكتب» الفنان محيي الدين اللبَّاد. كما فتحت «الإنساني» أبوابها للكتابة الجيدة على اتساع الجغرافية العربية، فساهم فيها صحافيون ونشطاء وأدباء وعاملون في الحقل الإنساني، من جنسيات وخلفيات ومشارب متعددة.

والحال أنه منذ ذلك التاريخ لم تشهد بيئة العمل الصحافي في المنطقة العربية أية مجلة أخرى ناطقة بالعربية، تحمل لواء العمل الإنساني وحماية الضحايا، استنادًا إلى مبادئ القانون الدولي الإنساني، كما فعلت مجلة «الإنساني». وإذ أصبحت الصحافة والإعلام المرئي العربيان اليوم، أكثر ميلًا لإعطاء ضحايا النزاعات المسلحة منبرًا عبر عرض قصصهم بأسلوب إنساني، إلا أن ذلك بقي في إطار وسائل إعلامية ذات اهتمامات عامة، وليست متخصصة.

وهذه المجلة بنسختها المطبوعة، التي تطور شكلها ومحتواها عبر السنين، ظلت تصل إلى عدد محدود من القراء تبعًا لظروف توزيعها في كل دولة من دول العالم العربي، التي تعمل فيها اللجنة الدولية والممتدة من المحيط إلى الخليج وأفريقيا. وكثيرًا ما كانت أعداد التوزيع تزيد أو تقل تبعًا لمدى قدرة فرق اللجنة الدولية على الوصول إلى أماكن بعينها، أو القيام بنشاطات يمكنهم من خلالها توزيع المجلة. إلا أننا ندعي أنها تركت أثرًا محمودًا لدى الكثيرين. وتشهد على ذلك الرسائل التي كانت تصلنا طلبًا للاشتراك في المجلة، أو الحصول على نسخ منها، أو المساهمة في الكتابة فيها.

«الإنساني» كانت واحدة من المطبوعات القليلة التي دخلت معتقل غوانتانامو لسنوات عدة، كما دخلت غيره من مراكز الاحتجاز الكثيرة التي كانت، ولا تزال، فرق اللجنة الدولية تزورها. ويروي أحد الزملاء ممن عملوا في مجال الإعلام في اللجنة الدولية، كيف أنه، وخلال إحدى زياراته لمقر مؤسسة إعلامية، فوجئ بأحدهم ينتزع من تحت إبطه عددًا كان يحمله من المجلة، ويفض بسرعة الغلاف البلاستيكي الذي يحميه، ويبدأ بتصفحها والابتسامة تعلو وجهه. وعندما استفسر الزميل عن سبب تصرفه هذا، اعتذر الرجل له قائلًا: إن «الإنساني» كانت رفيقته الوحيدة لسنوات خلال فترة اعتقال قضاها في أحد السجون.

لكن بقاء الحال من المحال، فدور الصحافة المطبوعة اختلف، كما اختلفت احتياجات وشكل القارئ. وما نشهده اليوم من نقاش عنوانه: «هل ماتت الصحافة المطبوعة في العالم؟» تعززه أخبار إقفال صحف عريقة أو تحولها إلى نسخ إلكترونية فقط في العالم أجمع. والحال أن هذا النقاش قديم ومتكرر بقدم ظهور الراديو أولًا، ثم التلفزيون، وأخيرًا الإنترنت في التسعينيات من القرن الماضي.  وإذا كانت الصحف والمجلات المطبوعة قد استطاعت أن تستمر بشكل موازٍ مع وجود الراديو والتلفزيون والإنترنت، واتجاهها لأن تكون لها مواقع إلكترونية تعرض محتواها، إلا أن اللحظة الفارقة حقًّا بالنسبة لها، كانت بتطور وسائط التواصل الاجتماعي. فهذا التطور لم يؤثر على نوعية الوسيط فقط -كما حصل في السابق- بل أثر على طبيعة وسلوك قارئ الأخبار نفسه.

بعد نحو 20 عامًا على صدور العدد الأول، أصبح لـ«الإنساني» الآن حضورًا إلكترونيا.

فقارئ اليوم تحركه ثلاثة عوامل: قربه من الحدث، وسرعة وصول المعلومات أو الآراء إليه، وسرعة نشره لتلك المعلومات والآراء. وقد أعطت وسائط التواصل الاجتماعي القارئ قوة لم يكن يمتلكها في السابق، وهي قوة إبداء الرأي بالخبر، ونشره إلى شريحة واسعة من الأصدقاء وأبعد في لحظة. وهو أمر كان شبه مستحيل في الماضي، وأقصى ما كان يصل إليه عدد جريدة أو مجلة واحد هو أن يقرأه خمسة أشخاص. اليوم اختلف الأمر، وبات عدد من يقرأون خبرًا ما مقرونًا بعدد متابعي من نشر الخبر، سواء أكان صفحة «فيسبوك» أو حسابًا على «تويتر» لمؤسسة إعلامية أم صفحة خاصة لصديق. وبالتالي باتت قدرة وسيلة إعلامية على التأثير أكبر، كما بات خطر تعرضها للنقد أكبر أيضًا.

من هنا كان لا بد لـ«الإنساني» أن تواكب هذا التغير، لتتمكن من الوصول إلى قرائها بشكل أفضل، تعطيهم ما يحتاجونه من القدرة على التواصل وإبداء الرأي، بل وربما المشاركة في إنتاج المحتوى الخاص لهذه المجلة. فكانت فكرة المدونة الأقرب إلى طبيعة المحتوى المتمثل في مقالات وتقارير ومقابلات ونصوص أدبية حرة. وكانت أولوية اهتمامات المجلة، وما تزال، فتح نقاش حول القضايا السياسية والاجتماعية لا سيما في المنطقة العربية من منظور إنساني وحقوقي وثقافي، وتقديم منبر لضحايا النزاعات المسلحة والكوارث لعرض قضاياهم، علَّها تكون مساحة للنقاش واللقاء حول العمل الإنساني، ومرجعًا لنشر المعرفة حول القانون الدولي الإنساني بين قراء العربية المتابعين للقضايا المعاصرة.

مع معرفتنا بالتحدي الذي يحمله الانفتاح على العالم الرقمي، بما له من إيجابيات وسلبيات، إلا أننا نأمل أن تجعل هذه المدونة مجلة «الإنساني» أقرب إليكم وأكثر انفتاحًا على روح العصر. وسيستمر إصدار المجلة بنسختها الورقية مرتين في العام، لتتمكن من الوصول إلى شرائح من القراء ما زالوا يفضلون ملمس الورق عند القراءة، أو أنهم أقل حظًّا في القدرة على الوصول للمحتوى الرقمي لأسباب مختلفة.

إلى قارئنا القديم، نقول شكرًا على ثقتك، وإلى قارئنا الجديد، ممن لم يعرف المجلة المطبوعة، نأمل أن تحمل المدونة له محتوًى مميزًا يفيده، وأن يكون بداية تواصل بنَّاء في الاتجاهين.