حتمًا كان هناك سابق إنذار. ربما لم يفطن إليه كثيرون. إذ فجأة، اقتحمت الحرب أبواب مدن عربية ساكنة إلى حالها إلى حد كبير، فقتلت سكانًا، وهدمت بيوتًا، وشردت أسرًا، واغتالت أحلامًا. هوت مدنٌ إلى دوامة عنف مسلح دامٍ، فتبدلت أحوالها: الميادين تحولت إلى ثكنات عسكرية، والحدائق والمنتزهات إلى خَرَائب، ودور السينما والمسارح إلى ركام. الشوارع العامرة بالمارة في حلب وحمص أصبحت الآن خاوية على عروشها، وهجر الناس المنازل العتيقة في الأحياء القديمة في طرابلس وسرت وتعز، فيما تداعت المعالم التاريخية في مدن صنعاء والموصل.
نحو ست سنوات والحرب تدك مدنًا عربية طالما تغنى بجمالها شعراء، وأُلفت عنها كتب وروايات. ربما لم تفطن المدن العربية، قبل اندلاع ما يسمى ب «الربيع العربي»، وما رافقه من أعمال عنف حضري ثم نزاعات مستعرة، إلى جسامة التحدي الذي تمثله عملية التحضر المتسارعة. فقد أدت موجات الهجرات المتتالية من الريف والبادية إلى تحول نصف سكان العالم العربي، ومعظمهم في الأصل ريفيون أو بدو، إلى سكان مدن. في بعض المناطق اقتربت نسبة سكان الحضر من 80 في المائة كما في ليبيا، فيما لامست نسبة ال 60 في المائة في سورية قبل الحرب.
وجد الفقراء العرب في الحضر ملاذًا لهم. فالارتحال إلى المدينة يعني عند كثيرين فرصة ترقٍّ اجتماعي، والحصول على عمل يعود على صاحبه ببعض المال، وحياة أفضل عمومًا. ولكن بالنسبة لملايين آخرين فإن العيش في المدينة، يعني اختبار قسوة العنف الحضري، وشبح الفقر المخيم على ملايين يعانون التهميش والاستضعاف. عانت المدن العربية من اكتظاظ السكان، وتردي أحوال البيئة، وتهدم المساكن، وتدهور البنية التحتية، وتدني مستوى الخدمات، وتفاقم المشاكل الاجتماعية كالعنف الحضري، كما قاست مغبة إهمال التخطيط السليم للأحياء والمباني عمومًا.
لهذا، عندما اندلعت شرارة الاضطرابات في العالم العربي في العام 2011، كانت المدن العربية في سورية واليمن وليبيا هي ساحات القتال الرئيسة لهجمات أطراف النزاع كافة. وهو ما أفضى إلى عواقب إنسانية وخيمة، لا نعرف لها مثيلً في التاريخ المعاصر لعالمنا العربي. فهناك تكلفة إنسانية مهولة لمدنيين سقطوا بفعل القتال الذي يتجدد وسط المناطق الحضرية المأهولة بالسكان، إذ إن الأطراف المتصارعة آثرت التداخل مع السكان المدنيين، وابتعدت عن مواجهة الأعداء في الخلاء. وفي الوقت ذاته، تستخدم الأطراف المتحاربة داخل المدينة أنظمة سلاح صُمِّمت في الأصل لحروب الساحات المفتوحة. وقد كانت اللجنة الدولية شاهدة – في مدن سورية واليمن والعراق وكذلك غزة – على التأثيرات غير الإنسانية الجسيمة لاستخدام الأسلحة المتفجرة في المناطق الحضرية. فهي تعرِّض السكان لمخاطر القتل والإصابة والإعاقة مدى الحياة وكذلك المعاناة النفسية الرهيبة. كما يتجلى أثرها المدمر على البنية التحتية والخدمات الأساسية، علاوة على إجبار الملايين على ترك ديارهم لأجل قد يستمر طويلً، إذ ليست ثمة نهاية للقتال في المدن العربية تلوح في الأفق.
ونظرًا للأهمية الاستثنائية للحروب التي تدور رحاها في المدن، فقد آثرت مجلة «الإنساني» أن تفرد في هذا العدد ملفًا خاصًّا عن «حروب المدن»، كي نتلمس فيه أبعاد المأساة الإنسانية لهذه النزاعات. نقترب في هذا العدد لنقرأ الفلسفة التي تحكم «الصور الملتقطة» لحروب المدينة.
ونذهب إلى بعض المدن لنرى ماذا حل بها. فنقترب من حلب ودمشق وحمص لنعرف كيف يحاول أهل المدينة مقاومة الحرب، وإبداع طرق للحياة. ونشد الرحال إلى اليمن، لنلقي نظرة على الأثر المدمر للحرب على الحواضر اليمنية التاريخية. كما يحمل الملف قراءات لتاريخ المدن التي اختبرت الحروب، كقصة عاصمة القطر على ضفاف النيل الخرطوم، وقصة الرواية التي صاغها الكتاب اللبنانيون عن بيروت زمن الحرب الأهلية، أخيرًا وليس آخِرًا نقرأ عن أغاني المدن التي ارتبطت بالحرب مثلما حدث في مدن قناة السويس المصرية.
روابط ذات صلة:
محتويات العدد  62 من المجلة: حروب المدن… ثمن باهظ تدفعه الحواضر العربية