لم تغب الحرب عن حياة أجيال من اللبنانيين، حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية (1975-1990). وهذا، على الأقل، ما يبرر حضورها الطاغي والمستمر في الكتابة اللبنانية حتى يومنا هذا. فالقراء العرب الذين يتبرمون أحيانًا من استغراق الروائيين اللبنانيين في أجواء الحرب واستدعائهم الدائم لمناخاتها، لا يدركون أن الحرب اللبنانية لم تنتهِ حقًّا، لا في السياسة ولا في الشارع ولا في النفوس.
 تمركزت الحرب الأهلية اللبنانية في العاصمة أكثر من أي مكان آخر، حرب شوارع متداخلة وبنايات متقابلة وأحياء متجاورة. حرب التخوم الضيقة بين المناطق السكنية وفيها، حيث احتلال السطوح والطبقات العليا، ومفارق الطرق وناصيات الشوارع. ومعارك شرسة للاستيلاء على هذا المربع السكني أو ذاك، وصراعات «ميليشياوية» لا تنتهي على النفوذ والهيمنة. وهي أصلًا حربٌ يخوضها شبان الأحياء لا الجيوش النظامية. هي ميليشيات كثيرة متحولة في ولاءاتها وتحالفاتها. تبث الفوضى وتفرض نمط حياة خطرة. فتحل لغة السلاح محل القانون. وتسود لغة القوة والعنف والترهيب، والفرز الديموغرافي القسري، والتهجير المتعمد لفئات من السكان. تُمزق العلاقات الاجتماعية، وتُقطع أوصال المدينة، فتتحول إلى مربعات مسورة بالخوف والمعارك، مع التردي المتدرج للخدمات العامة والمرافق والمؤسسات، ومع انهيار البنى التحتية وخراب المباني والأرصفة، وحلول الإهمال في الفضاء العام وانتشار القاذورات والتعديات على الأملاك العامة.
هذا النمط من الحروب المحلية والأهلية، المديدة والمتناسلة، المدينية أساسًا، تتسم بالعبث واللا حسم. وتتخللها فترات هدوء قصيرة أو طويلة أشبه بالسلم البارد، تتيح حياة شبه طبيعية، إذ لا تختفي الدولة ومؤسساتها، وفي الوقت نفسه لا تتسيد ولا تسيطر. تتحول إلى إدارة عامة ضعيفة لكنها ضامنة لبقاء الكيان السياسي وحسب (العملة، السجلات العقارية، التمثيل الدبلوماسي، الخدمات الصحية… إلخ). خلال أربعة عقود، خضع المجتمع اللبناني وعمرانه لتحولات عنيفة وجذرية، رسخت غلبة «الأهلي» على «المدني». وثبتت التوزع السكني والاجتماعي وفق إفرازات الانقسام الطائفي والمذهبي، حتى بات من الصعوبة التحدث عن هوية لبنانية متعالية على هويات ما قبل الدولة: العصبيات الدينية والعائلية.
يوميات بيروت الحرب
أظن أن ما تقدم ضروري كمدخل لفهم طبيعة الكتابة الروائية اللبنانية، أثناء الحرب وبعدها. وهي تصف نمط الحياة الغرائبي والتحولات العميقة المدهشة التي عاينها الكتَّاب وعايشوها في يوميات بيروت خصوصًا. كما هو ضروري لفهم التغير المدهش في تقنيات السرد وفي القاموس اللغوي وفي معنى الكتابة أصلًا، وفي ولادة «الرواية اللبنانية المعاصرة» من رحم تلك الحرب بالذات، حتى ليقال إن: بيروت السلم المتألقة كانت مدينة شعرية، فيما بيروت الدمار هي مدينة روائية. في وجه من وجوه النزاعات «الملبننة»، كان الاستيلاء على بيروت، أو «غزوها» بالمعنى الديني أو العصبي، يتماشى مع النزوح الريفي المبتدئ منذ الخمسينيات نحو العاصمة الكوزموبوليتانية المزدهرة، التي كانت «تربي» الحقد عليها في نفوس المهمشين و«المستضعفين» والمتأخرين عنها.
ونظن أن هذا التعليل للعنف ضد المدينة وعمرانها، قدَّمه الروائي محمد أبي سمرا في روايتيه «الرجل السابق» و«سكان الصور». سرد أبي سمرا سيرة أولئك الذين يصلون إلى تخوم العاصمة ويحاولون عبثًا مداراة مراراتهم وحيرتهم وفظاظة عيشهم وعنفهم المنزلي والأسري، وحسراتهم الطالعة من معاينة الآخرين في هناءة العيش واللباقة والتمدن والدعة، فيما هم تتنازعهم مشاعر الضغينة وقلة الحيلة وأحوال الفقر والرثاثة الاجتماعية. وتكمن قوة روايات أبي سمرا في دقتها السوسيولوجية، إذ تصوِّر بعين كاشفة جماعات نزوح أهل الريف «المسلمين» والصدمات التي عاشوها في التفاوت الفاضح بينهم وبين شروط العيش في مناخات بيروت الحديثة. وهو يكرس اتهامًا ثقافيًّا لأولئك الأفظاظ والأجلاف المنضوين في أحزاب اليسار والعروبة بمسؤوليتهم عن الحرب، وتخريب بيروت عمدًا، وتقويض عمرانها، وتمزيق نسيجها السكاني وتهجير نخبها وأجانبها. تصف «سكان الصور» البدايات الاجتماعية لاستعداد شبان الضواحي وفتيان أحزابها للانقضاض على المدينة التي تتنازعهم تجاهها مشاعر الإعجاب والكراهية، أو التماثل مع قيمها ومظاهرها والخروج عليها، تمردًا وتقويضًا، في آن واحد.
فيما يكرس إلياس خوري معظم رواياته، ومنها «الجبل الصغير» و«الوجوه البيضاء» و«رحلة غاندي الصغير»، ليروي حبكة قائمة على جريمة تقع في بيروت. من الجريمة تتناسل حكاياته عما جرى في شوارع المدينة في سنوات الحرب. يصاب، هو اليساري المنتمي لحركة «فتح»، بالصدمة العميقة في الفارق بين الثورة التي كان يطمح إليها وواقع الحرب. الأولى كانت تعني له «الحياة» فيما الثانية هي «الموت». على هذا الفارق تتأسس روايات إلياس خوري الأولى التي كرسها لسرد الخيبة، عبر تسمية ما يجري بالجريمة. هكذا يجد خوري نفسه مطرودًا من مسقط رأسه «الأشرفية» (القسم المسيحي من بيروت) على يد الميليشيا اليمينية، ثم يجد نفسه منخرطًا في هجوم عبثي مع ميليشيا اليسار ومنظمة التحرير الفلسطينية ضد مسقط رأسه بالذات حيث أقاربه وجيرانه. هكذا ينسحب إلياس خوري من الحرب بمرارة شديدة ستستمر في كل رواياته، حيث يسرد (كيساري عنيد) ما يكرهه في بيروت، وما يحبه فيها. يسرد خسارته لبيروت أخرى مستحيلة بقيت في مخيلته ولن تتحقق. شيئًا فشيئًا، سينتقل في أسلوبه ومناخاته من اللغة الشعرية السياسية إلى لغة أكثر نثرية ومفعمة بالصور العنيفة والحادة.
يسرد إلياس خوري خسارته لبيروت أخرى مستحيلة بقيت في مخيلته ولن تتحقق
 تُعد رواية «بناية ماتيلد» لحسن داوود أفضل مثال على أفعال الحرب وأثرها غير المباشر على العمران والعلاقات بين السكان. بناية يقطنها روس بيض وبرجوازيون مسيحيون ومسلمون صاعدون اجتماعيًّا وطالب آتٍ من الريف. هي مثال الاختلاط المديني. رواية المكان ورواية الدواخل الاجتماعية، بعين الروائي/ الراوي، الذي كان بالفعل يعيش في هذه البناية. بكثير من التفاصيل الدقيقة والسرد المتمهل، يرصد داوود تلك التغيرات اللا مرئية التي تفرضها أجواء الحرب على سكان «بناية ماتيلد». التهجير الصامت، الغياب المفاجئ، تحول في علاقات الجيرة، في لغة السكان وألفاظهم وسلوكهم، في تدبير أسباب المعيشة اليومية، في عواطفهم وانقلابات تلك العواطف، وصولًا إلى جريمة ذاك الطالب الذي قطَّع فيها أوصال صاحبة الشقة أي «ماتيلد» نفسها (وهي واقعة حقيقية). جريمة أشبه بخاتمة بالغة الفظاعة لما حلَّ بعلاقات سكان بيروت فيما بينهم، حيث العنف الهمجي يهدد المدينة برمتها. فيما بعد، سيبدع حسن داوود بروايته «غناء البطريق»، راسمًا ما ستشهده بيروت بعد انتهاء الحرب، حيث مشروع إعادة البناء والإعمار هو خراب من نوع آخر يصيب روح المدينة بالخواء واللا معنى.
 جريمة مقتل «ماتيلد» أشبه بخاتمة بالغة الفظاعة حيث العنف الهمجي يهدد المدينة برمتها
نجد في روايات رشيد الضعيف، ومنها «تقنيات البؤس» و«المستبد»، مقاربة أخرى، هي مصير فرد وحيد أعزل ومسالم، وعلى الأغلب «مثقف مسيحي»، يعيش في بيروت الغربية التي تسيطر عليها «ميليشيات المسلمين» (حينها لم تكن «إسلامية»). يدل العنوان «تقنيات البؤس» تمامًا على مناخ الرواية: كيف لرجل متوسط الحال، متعلم وحريص على العيش اللائق والمتمدن أن يبتكر تقنيات ووسائل الحياة من مأكل جيد وماء نظيف وخدمات يومية في قلب مدينة تتهاوى وتتحلل فيها كل شروط كرامة الحياة ورفعتها؟ يسقط بطل روايات الضعيف في دوامة الرهاب الدائم من الخطف أو القتل أو الموت بقذيفة. يعيش حالة الخوف والرعب. ويتحول المنزل إلى ملجأ وسجن مليء بالوساوس والكوابيس، فيما التجول والمشي في شوارع المدينة هو مجازفة بالغة الخطورة. «التروما» [الصدمة] التي تلازم الضعيف ستبقى في روايات ما بعد الحرب أيضًا: الحب المستحيل والمُتشيِّئ، العلاقات المأزومة والانحطاط الأخلاقي والبورنوغرافيا والابتذال اللغوي والبشاعة التي لا يزيلها كل الترميم الذي يطال المدينة.
ثمة نص روائي استثنائي كتبه فادي الطفيلي بعنوان «اقتفاء أثر»، يروي انطلاقًا من اكتشاف جثة أستاذ مدرسة في حي زقاق البلاط البيروتي، الاعتداء المنهجي والعنيف الذي أوغل بجسم هذه المنطقة السكنية الراقية التي تكثر فيها أفضل المدارس في بيروت، والتي أسستها الإرساليات الأجنبية. يروي حيثيات هذا «الغزو» الأهلي المسلح الذي يدفع السكان الأصليين – متعددي المشارب والجنسيات والأديان – للهجرة المذلة والقسرية. ويرصد ما يفعله هذا التوغل البطيء والعنيد في العمران وفي الفضاء العام، وما يجلبه من عنف في كل التعبيرات والعلاقات والسكن، كأن تتحول مثلًا واحدة من مدارس الأرمن إلى سجن حزبي يمارس فيه تعذيب الأبرياء. هذا النص ينبهنا أن الإنجاز المعماري الوحيد للحرب في بيروت وضواحيها هو ظهور المقابر الجديدة، ساردًا على نحو توثيقي نشوء مقبرتي «الشهداء» و«روضة الشهداء» في أجمل بقعة ببيروت «حرش الصنوبر» (كان غابة واسعة من شجر الصنوبر قبل اندلاع الحرب).

 

نُشر هذا الموضوع في العدد رقم 62 (خريف/ شتاء 2017) من مجلة «الإنساني».