لدينا صورٌ محفوظةٌ في أرشيف الصحف والتلفزيونات، تجسِّد الحرب الأهلية في لبنان (1975-1990) أو تطلُّ من خلف متاريسها، لكنها نادرًا ما تُستدعى لتحكي عن الحرب. في المقابل، تُستدعى تلك التي يملأها «زعيمٌ»، بحضوره أو بأفعاله، كثيرًا ما تُستدعي من زمن الحرب لغرضٍ في السلام، تحتفي بهذا أو تدين ذاك.
في الصور، كثيرًا ما يظهر شارعٌ أو مجزرةٌ أو حالٌ عسكرية، يصفع وعينا، نحن أحياء اليوم الذين عايشنا حرب الأمس. ومع ذلك، يمكن ليدنا أن تمسك بهذه الصورة أو تلك، وتروي عنها قصَّةً أخرى. بدلًا من أن يكون المتراس الذي تظهره الصورة هو محور أهميتها، يمكنني أن أوقظ في الصورة المبنى المهشَّم خلف المتراس، وأحكي قصَّة قتلاه. يمكن لغيري أن يبني عليها استعادةً للتنقُّل بين «بيوت السِّلم» تبعًا لصوت القذائف، وقد تعلَّمنا أن صوتها يعرِّف لنا مصدرها وهدفها. يمكنني أن أروي عيشنا لهذه الحرب، الشوارع المحفَّرة الملأى دومًا بشظايا الرصاص والقنابل، وأحيانًا بشظايا البشر. الشظايا تتراكم في الحفر، وأكوام النفايات تستقر لـ 15 عامًا في الزوايا. يمكن أن نبني على الصورة قصَّة حبٍّ مُزقت، قصَّة عائلةٍ نُحرت، قصَّة مهنةٍ هُمشت، وقصصًا كثيرةً عن كيفيَّات الاستمرار بعد التمزيق، النحر، والتهشيم. ولذلك، لم تُترك الصورة في حالها. سعت الحرب لاستعمارها آنذاك، وهي اليوم تقاوم الجهود الحربيَّة لإسكاتها بعدما كثرت الصور وصارت متاحة لكلِّ يد.
في الصورة معركةٌ تدور، وحولها أيضًا تدور معركة.
الحرب القديمة
كموتى وجرحى وخائفين، كثيرًا ما كُتب عنا أننا صرنا أرقامًا في حرب لبنان. واليوم يُعاد القول ذاته عن ضحايا العراق وسورية واليمن وليبيا. وكنَّا فعلًا قد صرنا أرقامًا في نشرات الأخبار، لكنَّ صور كلِّ ضحيَّة منا لا تزال معلَّقةً على جدار بيتٍ، وفي أكثر من قلبٍ محروق. لمَّا كان الراديو يقول أسماء الذين قضى عليهم تفجيرٌ أو استهلكت أرواحهم معركةٌ، كنا نستمع ببالغ القلق، خائفين من سماع اسمٍ نعرفه، مقبوضين من طول اللائحة. أرقامٌ قد لا يحفظ أسماءها السياق العسكريُّ – السياسيُّ، لكنهم/ن حروقٌ في قلوبٍ كثيرة عرفتهم، ورعبٌ متكوِّر داخل كلِّ من سمع نشرةً يوميَّةً بأسماء القتلى.
الصور الصحافيَّة همَّشتنا خلال الحرب، كونها تخصَّصت بالشأن الأمنيِّ – السياسيِّ واختزلت فيه وجودنا. الأمن هو أول اهتمامات الناس في الحرب طبعًا، إذ به يرتبط كلُّ شيء، والسياسة تديره. الموارد الصحافيَّة كانت قليلةً في زمن حرب لبنان. التصوير كان عملية مركَّبة، وللأفلام كلفتها، للتظهير شروطه. وللنشر ضوابط المساحة الورقية في زمن الحصارات. أما الصورة المتحرِّكة فحدِّث ولا حرج عن صعوباتها وأكلافها. أسبابٌ كثيرة جعلت للصورة آنذاك احتكاراتٍ في المواضيع كما في المصادر. ومع ذلك، يمكننا اليوم أن نوقظ خبرة الحرب الكامنة فيها، نفكِّكها، أو نرميها في وجه كلِّ من تأخذه حماسة الاستقطاب إلى استدعائها. ونتلمَّس عبرها معنى أن تحلَّ الحرب في مجتمع، وهي تحلُّ كثيرًا اليوم. تكفي صورة شارعٍ محروق تمضي فيه حياة لنتذكَّر صفوف الانتظار من أجل الخبز والوقود والماء، انعدام الكهرباء التام، انعدام الثقة بأن من يخرج سيعود، تفكُّك الوجه المديني للمدينة واستحالتها دوائر منكوبة بدرجات متفاوتة، متقطِّعة ومتجاورة. يقولون إن حدَّة الاستقطاب والخروق الأمنية هي شكلٌ مموهٌ من أشكال الحرب، بما يعني أن في الحرب وضوحًا. وهذه أقوالٌ تعاندها كلُّ صورة من صور المدن والناس في الحرب. أيُّ شكلٍ من أشكال السلام هو أوضح للحياة من أيِّ شكلٍ من أشكال الحرب. ولا مقارنة بين حدَّةٍ سياسيَّة ومعركةٍ عسكريَّة. هذا ما تقوله صور الحرب.
كانت الصورة دليل الوجود، ثم صارت مصدر شكٍّ، وكان المصوِّرون مسجِّلي الواقع لكنهم صاروا شركاء في جرمٍ اجتزاء الحقائق
اليوم، تكثر الصور. صارت آلية إنتاجها متاحة ومعمَّمة. قد يتوقَّع المرء أن ينعش هذا التغيير صوتَ المدنيين في الحرب، يثبِّت حضور ضحاياها بأيديهم، ويثبِّت حضور المدن وصوتها في سرديَّات تدميرها. لكن، الأولوية السياسيَّة وحاجاتها الطاغية تأقلمت مع التغيير وأقلمته مع مصالحها، وبخطورةٍ أكبر علينا. فهذه المرة، لم تصادرها بما يهمِّش السرديَّة المدنيَّة ويحدُّ من مسؤولية المتقاتلين عن الجرائم التي يرتكبونها فحسب، وإنما صادرتها لتبرزها كسلاحٍ حربيٍّ.
الصور كسلاحٍ حربيٍّ
لصور المدنيِّين في الحروب اليوم أدوارٌ لا تُعدُّ، وللنقاشات حولها منطلقات لا تحصى. فهي التي تمتلك مصداقية كونها تَدخل الخطر وتَخرج منه، توثِّقه، جامدًا أو متحرِّكًا. وهي التي تُلتَقط تحت الضغط لكنها لا تُنشر تحته، تُختار بين كثرة. وهي الوثيقة التي تدلُّ على الجريمة، وعلى طرف متورط فيها. وبالتالي، هي أداةٌ بيد هذا ضد ذاك. إذا خرجت صورةٌ مغلوطة، تصبح كلُّ صور الجريمة عرضة للتشكيك. وإذا خرجت صورة مؤثرة، تُستخدم لتطهِّر فريقًا وتحرق آخر. فالصورة المؤلمة محاكمةٌ بلا ضوابط، والصورة المغلوطة تقوى على الواقع.
نمت آليات مقاومة الصورة وتخفيف وطأة ما فيها، بعدما تكرَّست كسلاحٍ حربيٍّ. فلمَّا تخرج صورةٌ صادقة بمضمونٍ صادقٍ، تراها تُدان بما لم تروِ عنه: سجَّلت جريمة هذا، لكن ماذا عن جريمة ذاك؟ صارت جزءًا من الحرب، وما عادت تدلُّ فقط عليها. والناحية التي استعمرتها الحرب من الصورة هي تحديدًا الصورة ذات الطابع «الإنسانيِّ»، صورتنا. فهي الوحيدة التي يحقُّ لها أن تدين الحرب، لمصداقيتنا كضحاياها.
خلال الحرب السوريَّة، جرى «اختراع» مشهد طفلة مصابة، ملفوفة بالشاش الأبيض، مع عسكريٍّ يؤدي دور طبيب يروي قصة إصابتها، وهي تلعن طرفًا في الحرب، ترميه بتهمة الجرائم كلها، وتبرئ سواه. خطاب الطفلة المصابة هو صوتٌ لا يقاوم، سخَّرته الآلة الحربية – الإعلامية لصالحها. لمَّا انكشف التلفيق، تضرَّر صوت كلِّ طفلٍ /ة في الحرب، ومصداقيته. كذلك، صور ذاك الناشط السوريِّ – الفنلنديِّ الذي يهرِّب الألعاب إلى أطفال حلب، اتضح أنها ملتقطة في استديو بعيد في سيناريو بعيد، جلُّ همه إدانة طرف والاستفادة من مكافآت الظهور الإعلامي المكثَّف، من «سي إن إن» إلى «العربية» ومن «نيويورك تايمز» إلى «هافينغتون بوست». بفعل هذه الخدع، تسلل شكٌّ إلى الثقة بالصوت المدنيِّ والنضال الإنسانيِّ في سورية. لا يستفيد من ذلك إلا الصوت الحربيُّ. ما عاد يهمِّشنا فحسب، وإنما استعمرنا أيضًا. سخَّر صورنا أداةً حربيَّة. كانت الصورة دليل الوجود، صارت مصدر شكٍّ. وكان المصوِّرون يمتلكون حصانة مسجِّلي الواقع وأصحاب الوثيقة. صاروا شركاء في جرمٍ، يبدأ من الاعتداء على الخصوصيَّة ولا يقف عند اجتزاء الحقائق.
 كثيرًا ما كُتب عنا أننا صرنا أرقامًا في حرب لبنان. واليوم يعاد القول ذاته عن ضحايا العراق وسورية واليمن وليبيا
استعادة القوَّة
ما إن تدخل مدينةٌ في حربٍ، سواء أكانت أجدابيا، بغداد، دمشق، أو بيروت، حتى تصادر أخبار النار وجهها. أرقامٌ ترصد عدد السيارات المفخَّخة، عدد القتلى، صورٌ توضح حجم الدمار، أخبارٌ تنقل ممارسات الميليشيات، أفق التفاوض… إلخ. عندما تصبح هذه المعطيات شائكة، مكرَّرة، فوضوية، تخفت الحماسة. تكون أحوال الناس الذين يعيشون الحرب قد تدهورت إلى أسوأ معدَّلاتها، لمَّا ننصرف عنهم. تكون الحرب قد استقرَّت بينهم. لكن صورةً تعيدها. صورة المقابر الجماعيَّة لأطفال اليمن الذين قضوا بفعل مجاعةٍ فرضتها الحرب، خرجت عن السياسة. حساب السياسة فيها بدا معيبًا، إجراميًّا.
لم تعد الحروب في بداياتها، وقد تأقلم معظم الناس مع شروط الصور. أسئلةٌ كثيرة صارت تُطرح اليوم على كلِّ صورة: الخصوصية، الاجتزاء، الاستعراضية، استغلال الضحايا، التواطؤ، الأنانيَّة… إلخ. صرنا لا شعوريًّا نبادر نحو التأكُّد. نتأكد من أن هذه الصورة ليست سلاحًا حربيًّا، ومن أن محتواها صادق. لم نتخلَّ عن الصور كلها بسبب احتمال تزويرها، وإنما ترانا نحمل مسؤولية صورة الطفل «عمران» المذهول من دمه في عربة الإسعاف في حلب. نقاوم تسخيرها ضد طرفٍ، ونشدِّد على رفعها مطلب وقف النار. هناك حركات مقاومةٍ تنشأ بيننا، لكيلا تُسكت الحربُ صورَ جرائمها. وبتلك الحركات التي تضمُّ مصوِّرين ومواطنين وصحافيِّين وناشطين، تحافظ المدن على وجودها في سرديَّات تدميرها.
الصورة تُستعمَر، لكنها لا تُستملَك. ومن اللافت أن قدرتها التأثيريَّة عادت لترتبط بأساسٍ في الصحافة، وهو المصداقيَّة. مصداقيَّة الصورة صارت أداتها في مقاومة محوها، إسكاتها. الصورة ما زالت تروي إذن، لمَّا ترفق بالأدلة.
نُشر هذا الموضوع في العدد رقم 62 (خريف/ شتاء 2017) من مجلة «الإنساني».