أصبحت قذائف الهاون تَفْصِيلًا يوميًّا من تفاصيل العاصمة دمشق، وجزءًا رئيسًا من حياة سكانها. فالقذائف وأصواتها ترافق الناس في كل مكان. والحال ليست بالمختلفة في ريف دمشق أو حلب أو حمص أو غيرها من مدن سورية. إنها مأساة إطلاق أسلحة متفجرة ذات آثار واسعة النطاق في مناطق مأهولة بالسكان.
بدا القلق واضحًا على دانييل** (48 عامًا)، الصحافي الفرنسي القادم من باريس عن طريق بيروت، فور مشاهدته الحواجز العسكرية على بعد أمتار من المنطقة الحدودية. لمحت عيناه أشياء جديدة عن العاصمة دمشق، التي سبق أن زارها لتغطية فعاليات «دمشق عاصمة الثقافة العربية» في العام 2008. اختلفت الحال كثيرًا الآن. فسحب الدخان تَمْلَأُ سماء دمشق، فيما يحلق الطيران الحربي فوق الغيوم. وفي الوقت ذاته، فالازدحام شديد في شارع الدويلعة باتجاه مدينة جرمانا التي قرَّر الصحافي الفرنسي زيارتها بعد أن سمع أنها كانت واحدة من أكثر المناطق التي سقطت عليها قذائف الهاون. لا يجد دانييل صعوبة أبدًا في تحديد أماكن سقوط هذه القذائف. فقد تركت كل قذيفة بصمة، أثرًا في جدار المنازل أو على الأرض. فيما تركت قذائف المدفعية أثرًا أكبر في الأسقف والأبنية الآيلة للسقوط، بفعل معركة شرسة دارت في الجوار على مشارف الدخانية. في الأطراف القريبة من خطوط التماس، تضع جميع المنازل «القماش المشمع» بدل الزجاج في أماكن النوافذ، فقد تكسَّر الزجاج مرارًا جراء قوة ضغط القذائف. بعض العائلات استبدلت بالأبواب أغطية للسبب عينه. يقول أحد أصحاب المنازل: «الحرب تدخل بيوتنا دون أن تدق على الباب. القذيفة تسقط، وتخلع معها الأبواب والشبابيك. لم يعد معنا أي أموال لتركيب أبواب وشبابيك جديدة كل مرة».
تترهَّل كل منطقة تدخلها الحرب، وتهرم وتبدو على جدرانها آثار الزمن. فبلدات خطوط التماس تختلف تمامًا عن مناطق وسط دمشق، والفوَّهات التي يخلِّفها الرصاص المنطلق من الرشاشات تدخل أشعة شمس في الصباح، وبردًا قَارِسًا بعد مغيب النور، فيما تشترك المدينة والريف بسماع دوي طلقات الأسلحة. وتبقى المناطق الريفية من يدفع ضريبة المعارك التي تدور في أرجاء محيط المدينة. تحوَّلت منطقة الدويلعة من بلدة ناشئة، ومدينة صغيرة، إلى ملجأ كبير لسكان الغوطة الشرقية الهاربين من هول المعارك، وحرارة الحديد والنار. ورغم انهيار أسقف الكثير من المنازل، فإن جدرانًا أربعة – بدون نوافذ – كافية لتغري أي نازح باللجوء إليها، بسبب ارتفاع مخيف في أسعار الإيجارات بقلب المدينة الآمن نسبيًّا.
يوميات قذائف المدن
في منطقة المزة، يصوِّر أنس الأسود (24 عامًا) مكان سقوط قذيفة صاروخية انفجرت على سطح أحد الأبنية، ويكتب وصفًا مناسبًا، ثم يرفع الصورة على صفحة بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك سمَّاها «يوميات قذيفة هاون في دمشق»***. أنشأ أنس مع أخيه التوأم نور هذه الصفحة قبل نحو عامين ونصف، وقد ذاع صيتها الآن بأكثر من مليوني ونصف المليون نقرة إعجاب. يقول أنس: «قذائف الهاون تَفْصِيل يومي من تفاصيل العاصمة، وجزء رئيس من حياتنا، فالقذائف وأصواتها ترافقنا في كل مكان، ولا يمكننا تجاهلها بعد اليوم، لذلك قرَّرنا أن نخصص مكانًا لنكتب فيه مذكرات الحرب من خلال قذائف الهاون».
تهتمُّ هذه الصفحة بأخبار القذائف وأماكن سقوطها، والأضرار الناجمة عنها، وتحاول أن توثِّق هذه المعلومات بالصوت والصورة. يضيف أنس: «نحاول توثيق القذائف باليوم والتاريخ، فالحرب في سورية طويلة، وتفاصيلها كثيرة، لذلك قد تضيع هذه التفاصيل في زحمة القذائف والموت اليومي». أما في الأيام التي لا تسقطُ فيها القذائف، فتسعى الصفحة لنشر أخبار خدمية أو محلية مع مراعاة الابتعاد عن السياسة. يشرح أنس: «القذيفة التي تسقط لا تميز بين مؤيد أو معارض، أو كبير أو صغير، لذلك هي تجمع السوريين، والأخبار الخدمية كذلك، أما السياسة فهي تفرقنا، ولذلك نسعى دائمًا للابتعاد عنها».
يشرف على الصفحة صحافيون ومتطوعون منتشرون في كل أحياء دمشق، بينما يؤكد الأخوان أسود، أن هناك دمشقيين لا يغادرون منازلهم كل صباح، قبل أن يفتحوا الصفحة ويتفقدوا أماكن سقوط قذائف الهاون، كي يحددوا وجهتهم، والطريق المناسب لعملهم. ربما تؤخر القذائف حياتهم، وربما تُوقِفها للأبد. شاركت صفحة «يوميات قذيفة هاون في دمشق» في معظم الأنشطة الأهلية والمدنية التي تدعم عجلة الحياة في دمشق. وحاربت الموت بنقل مباشر لحفلات الموسيقى، ومعارض الرسم والنحت والفن التشكيلي. وثَّقت الصفحة سقوط أكثر من ستة آلاف قذيفة على العاصمة ومحيطها، ومع كل قذيفة قصة، بعضها كتب على ورق، والكثير منها بقي حبيسًا في صدور الضحايا والجرحى. فكل شظية سقطت خلَّفت أثرًا، على الأرض، أو في المتاجر، أو على الأجساد أو الأرواح.
الحربُ وأخواتها.. برزخ دمشق
في مدينة دمشق وريفها، هناكَ حالةٌ غريبة من التناقض، بين الحياة والحرب. كثيرٌ من الأصدقاء المقيمين في الخارج يسألون عن وضع العاصمة. ومن الصعب أن تلخِّص الحال بسطر أو سطرين. لكن إجمالًا يمكن تقسيم الوضع هكذا: بداية لا تستطيع إجمال كل مدينة دمشق، وكل ريفها بحالة واحدة. فالوضع في المدينة يختلف كُليَّا باختلاف المكان والزمان، بمعنى، الهدوء في حي الميدان، لا يعني أبدًا هدوءًا في حي القدم القريب منه. والاضطرابات في صباحات حي القدم، لا تعني أبدًا استمرارها حتى المساء. ومع هذه المعادلات فالوضع مُعقَّد جدًّا في المدينة المقسَّمة إلى قطاعات.
نقطة ثانية، الهدوء وعدم الاستقرار والاشتباكات والانفجارات والرعب، وغيرها من الكلمات هي مصطلحات نسبية. سقوط قذيفة هاون في جرمانا، لا يعني أبدًا أن المدينة غير هادئة، الهاون في جرمانا أصبح جزءًا من روتين المدينة العادي. لكن سقوط صاروخ محلِّي الصنع في مشروع دمَّر، هو حالة غير عادية، ونستطيع حينها القول إن مشروع دمَّر لم يكن هادئًا في هذا اليوم. وتبقى هذه التوصيفات نسبيَّة، فالمضطرب عندي، هو هادئ عند غيري، والعكس صحيح. أيضًا، قد لا يفصلك عن مكان الاشتباك سوى مئات قليلة من الأمتار، الريف الدمشقي متداخل ومتصل مع المدينة. جوبر شرقي العاصمة لا تبعد سوى 1.5 كم عن ساحة العباسيين، وكذلك الحال بالنسبة لداريا وساحة الأمويين، والمخيَّم والميدان، والمليحة وباب شرقي وغيرها. لذا، فسكان المدينة يسمعون صوت انطلاق القذيفة وصوت سقوطها وانفجارها، وإذا حدث تفجير في المرجة، سمعه معظم سكان المدينة. وعليه لا يمكن الاستدلال أبدًا على هدوء دمشق بصورة عفوية لشوارع سوق الحمراء. وبطبيعة الحال، لا يمكن تصوير اضطراب الريف، بصورة لدمار منزل في داريا. الوضع مناطقي، وزماني، ومكاني، ومعقَّد. ليلُ المزَّة يختلف عن نهارها، ونهارها يختلف عن نهار برزة، وبرزة ليست حرستا، وحرستا لا تتشابه مع جوبر، والوضع في جوبر مغاير للوضع في داريا.
هي نصف مدينة، ونصف حرب، ونصف حياة كما يقول جبران خليل جبران..
في دمشق الآن برزخ عجيب، لا هي حيَّة، ولا هي ميتة..
مدينة تتنهَّد، بصعوبة تنفَّس المشتاق..
الموت الذي لا يُرى في حلب
يتلفَّت دانييل يمينًا ويسارًا وهو يسير بجواري في شوارع مدينة حلب، ويضع يديه على أذنيه وعينيه بين الحين والآخر. يقول إنه يسمعُ أصواتًا غريبة، لم أتمكن من التقاطها مع قربي الشديد منه. شيء ما في إدراكي السمعي والبصري قد تغيَّر بعد ست سنوات من حرب طاحنة في سورية. لستُ وحيدًا، فجميع سكان منطقة البولمان في حلب يسيرون دون أن تكترث عيونهم بسحب الدخان المتصاعدة من الجهة الجنوبية للمدينة، أو دون أن تهتمَّ آذانهم لأصوات أقل ما يقال عنها إنها «أصوات كل ما يمكن أن يسمع في الحرب». يلتقط الصحافي الفرنسي الكثير من المشاهد.
يصور بناءً مليئًا بثقوب الشظايا والقذائف، وآخر من دون سقف، وثالثًا من دون شرفة. يصعب أن تجد منزلًا لم يمسه الدمار في حلب. يلتفت الصحافي فجأة كلما سمع صوت مدفعية أو قذيفة، ثم يراقب بغرابة كيف يسير الناس من حوله، وكأنما هو في جزء آخر من الزمان أو المكان. يقول دانييل: «شَعُرتُ للحظة أنني أشاهد فيلمًا، وأن كل هؤلاء داخل الشاشة ولستُ معهم. شَعُرتُ بكم هائل من الانفصام عن الذين يعيشون فيه. هم لا يكترثون بأن صوت قذيفة قد دوى قبل ثوان، يتابعون سيرهم وكأن شيئًا لم يكن». يسأل دانييل: «هل هناك خطر»؟ بمعدَّل مرة كل ثلاث دقائق. يردد السؤال حين يشاهد سيارة إسعاف، أو عندما يمر على حاجز تفتيش، أو عندما يلحظ رجلًا يحمل بندقية، أو عندما يلمح امرأة تركض، أو عندما يسمع دوي طائرة حربية تحلِّق فوق رأسه، أو عندما يرمق سحابة دخان تغطِّي أفق نظره، وحين يرتدي الخوذة والدرع الواقية من الرصاص وسط مدينة حلب.
يكرر السؤال، فيما يخرج الحلبيون عزَّلًا في شوارع مدينتهم المصنَّفة المدينة «الأخطر في العالم»، وفق منظمات دولية وإقليمية. يصل دانييل أخيرًا إلى شارع بارون، حيث ينوي زيارة فندق قديم اعتاد كل الصحافيين الفرنسيين أن يزوروه. يتجه ببطء نحو باب الفندق، قبل أن يركض مسرعًا إلى أحد الأبنية بعدما رأى الجميع يركض بالاتجاه المعاكس. «هل هناك خطر»؟ كرَّر سؤاله مجددًا؟ «لا… لا يوجد شيء… فقط قناص»، هكذا أجيب بهدوء. ننتظر قليلًا في بهو المبنى إلى أن يعود الشارع لحركته الروتينية بعد أقل من خمس دقائق. لقد توقَّف أزيز رصاصات القنص من الشارع المجاور.
زجاج السيارة بخير
يخرجُ أبو علاء من منزله الكائن في حي الروضة شرقي حلب، العاصمة الاقتصادية لسورية قبل اندلاع الأزمة. يتفقَّد سيارته الصفراء العتيقة قبيل انطلاقه لعمله اليومي سائق سيارة أجرة. «زجاج السيارة بخير». جملة قالها لي مع ابتسامة عريضة بعد أن عاين النوافذ الأربع للسيارة والزجاجين الخلفي والأمامي، قبل أن يخبرني «أصابت الشظايا سيارتي ثلاث مرات، وفي كل مرة كانت الشظايا تكسر زجاج السيارة، لقد مللت إصلاح آثار القذائف». تشهد مدينة حلب بشكل شبه يومي تساقطًا لمختلف أنواع القذائف في ظل النزاع الدائر فيها. بعض القذائف تسقط في الحي الذي يقطنه أبو علاء، وهو رجل في الخمسينيات من العمر، يتميز بصوت عالٍ. يقول: «لا يسقط عندنا كثير من القذائف، خمس أو ست في كل الأسبوع. أكثر القذائف تسقط حاليًّا على حي الحمدانية».
أصعد مع أبو علاء الذي يحب الحديث للصحافيين. يصحبني باتجاه فندق بولمان الشهباء، حيث يقيم الصحافي الفرنسي الذي يتوجَّب عليَّ إعادته إلى دمشق ومنها إلى بيروت كي يعود إلى بلاده «آمنًا». يحاول أبو علاء أن يجنب سيارته الحفر الكبيرة التي خلَّفتها القذائف المنفجرة على الطريق بجانب دوار الموغامبو: «يصلحون الطريق ثم تعود الحفر مرة أخرى. لا يوجد أمل، هناك قذائف كل يوم». يدير أبو علاء مذياع السيارة بصوت عال، بعد أن سمع صوت إطلاق نار متواصلًا، يبدو أنه ليس ببعيد «لا تخف. هذا الصوت لتشييع الشهداء أو لإسعاف الجرحى»، يقولها بهدوء ويكمل تدخين سيجارته وطريقه باتجاه منطقة الجامعة التي يوجد فيها الفندق. قبل أن ينزلني من سيارة الأجرة، يسألني: «حضرتك لست من حلب، صحيح؟ لا تخف. الوضع عندنا مثل الوضع عندكم بالشام. والأعمار بيد الله».
*دانييل اسم مستعار
** موقع صفحة «يوميات قذيفة هاون في دمشق»: https://www.facebook.com/YomyatKzefeh/
نُشر هذا الموضوع في العدد رقم 62 (خريف/ شتاء 2017) من مجلة «الإنساني».