عانت المدن العربية زمنًا طويلًا بفعل تدني معدلات التنمية، وارتفاع معدلات الفقر وغياب العدالة الاقتصادية والاجتماعية. وعندما اندلعت «ثورات الربيع العربي»، فإنها كانت بمثابة ثورات مدن جريحة غارقة في التهميش والعنف الحضري. تحاول هذه المقالة تسليط الضوء على الخلفيات الاقتصادية والاجتماعية للعنف الحضري كما نعرفه اليوم.
إذا عاد المرء بذاكرته للوراء، مسترجعًا أحداث يوم لم يَطل عليه الأمد بعد، وهو يوم الجمعة 17 كانون الأول/ ديسمبر من العام 2010، سيجد أن نشرات الأخبار الرئيسة في ذلك اليوم لم تحمل ما هو فريد واستثنائي. لكن خبرًا «هامشيًّا» عن انتحار شاب في مدينة تونسية صغيرة، سرعان ما سيتصدر الواجهة. فيومئذ أقدم الشاب التونسي محمد البوعزيزي (29 آذار/ مارس 1984-4 كانون ثاني/ يناير 2011)، على إضرام النار في نفسه، احتجاجًا على مصادرة السلطات المحلية في مدينة سيدي بوزيد التونسية لعربة خضار بسيطة كان يتكسب منها رزقه. تسلسل الأحداث فيما بعد معروف، فقد فجرت الحادثة موجة غضب عارمة اجتاحت مدن تونس وريفها، وسرعان ما انتقلت عدواها وعبرت الحدود، فهب ملايين من السكان العرب في فورة احتجاج عاتية، أسقطت حكامًا، وقوضت نظمًا، وأحيت آمالًا في نيل الحرية والكرامة والرخاء.
«عنف المدينة»
بعيدًا عن التفسيرات السياسية المباشرة لـ «الربيع العربي»، يمكن قراءة تفاصيل المشهد الاحتجاجي العربي الكبير على أنه صيحة احتجاج للمدينة العربية، أو للمناطق الحضرية، على عقود من فشل التنمية الاقتصادية والسياسية. إذ إن الأغلبية الغالبة من تفاصيل «الربيع العربي» هي تفاصيل حضرية أو مدينية. فالشاب البوعزيزي، (27 عامًا عندما أضرم النار في نفسه)، إحدى نتائج أزمات المدينة العربية المستفحلة. هو بائع حضري على الهامش، أو بصياغة أخرى «مهمش حضري» يعاني الأمرين: صعوبة الحياة وفق معدلات تنمية هزيلة، ومعها تحديات مخيفة نتيجة تسارع معدلات تحضر المدن العربية، حتى الصغيرة منها، وما تفرزه هذه المعدلات من فقر وتهميش لقطاعات أكبر من السكان. ومن ناحية ثانية، يعاني هذا «المهمش الحضري» من سطوة ملاحقات السلطات البلدية الرامية دومًا إلى تحقيق درجة من ضبط الفضاء الحضري وتنظيمه. وهو ضبط وتنظيم لا يتحقق في الحالة العربية، غالبًا، إلا بمصاحبة العنف والقسوة. ومقتل البوعزيزي هنا ليس باستثناء، فللمدينة العربية محصولها الوافر من العنف الحضري، لعل آخر حلقاته، ذائعة الصيت، ما وقع في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، عندما سُحق بائع السمك محسن فكري (31 عامًا) حتى الموت في شاحنة لضغط النفايات في مدينة الحسيمة المغربية أثناء محاولته استعادة أسماك صادرتها منه الشرطة.
ولما كان «الربيع العربي» واحدًا من أكثر الأحداث الجماعية تصويرًا وتوثيقًا في الذاكرة المعاصرة، فمن السهل العثور على لمحات حضرية أخرى في مشهد الأفعال الاحتجاجية. فقطاع لا بأس به من المشاركين في حدث «الربيع العربي» هم «بوعزيزي» آخرون. «ثوار» أنجبتهم الفضاءات الحضرية العربية. أضف إلى ذلك أن أغلبية ضحايا الموجة الأولى من العنف السياسي الذي رافق «الربيع العربي» هم أبناء المناطق الحضرية، خاصة الفقيرة منها. تقدم الثورة المصرية مثالًا حيًا على الهامشيين الحضريين كوقود للانتفاضة السياسية. إذ انتمى معظم قتلى يوم 28 كانون الثاني/ يناير 2011 في القاهرة، التظاهرة الاحتجاجية الأعنف على حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، إلى مناطق حضرية فقيرة: حي «الزاوية الحمراء» وحي «المطرية»، أو أحياء الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى كحي «السيدة زينب» في القاهرة، ومحيط ميدان «المنشية» في الإسكندرية، على ما تشير الأرقام التي جمعها موقع «ويكي ثورة» عن ضحايا الاحتجاجات المصرية. * وتنطبق هذه السمة أيضًا على الحالة السورية. فقد شكلت المناطق الحضرية ساحة الاحتجاج الرئيس الذي بدأ قبل ست سنوات: كالأحياء الحضرية الفقيرة من حمص مثل «بابا عمرو»، وكذلك «الغوطة»، وهو فضاء ريفي، لكنه شهد نموًا حضريًا متسارعًا منذ عقد الثمانينيات.
والحيز المكاني الذي دارت فيه الهبات العربية ملمح حضري آخر. فقد كانت المدن حاضرة ومهيأة لاحتضان الاحتجاجات، بفعل توفر بنية أساسية حضرية، مترهلة نعم، لكنها تفي بالغرض في حالة الاحتجاجات: فهناك شبكة طرق داخلية تربط الأحياء، وهناك شبكة اتصالات متاحة لتيسير التواصل بين المحتجين، وحوائط المباني العامة أو الخاصة قائمة يمكن من خلالها نقل الرسائل الاحتجاجية عبر «الجرافيتي»، وأخيرًا وليس آخِرًا، الساحات أو الميادين موجودة لإبداع مختلف أشكال الاحتجاج من هتاف وغناء وإلقاء خطب ورفع لافتات. هكذا جرى تصوير «الربيع العربي» في ميادينه وساحاته: ميدان التحرير في القاهرة، ساحة القائد إبراهيم في الإسكندرية، والساحة المقابلة لبوابة جامعة صنعاء (ساحة التغيير فيما بعد)، وساحة القصبة في تونس، وغيرها.
أحوال المدن «ناقصة» عن الضروري
عانت المدن العربية اِضْطَراَبًا ملحوظًا طيلة عقود، إذ ترتفع معدلات التحضر بنسب هى من الأعلى في العالم. فمنذ عقد السبعينيات، ولأسباب اقتصادية متنوعة منها الطفرة النفطية لدول الخليج العربية، ارتفعت معدلات النمو الحضري في العالم العربي نحو 400 في المائة. تحولت الأرياف العربية إلى حواضن للمباني السكنية الحديثة والشوارع المكتظة، وتغير طابع البادية، لتستضيف ناطحات سحاب ومراكز تسوق تجارية تضاهي مثيلاتها العالمية. ويعيش الآن أكثر من نصف سكان العالم العربي (نحو 360 مليون نسمة) في مناطق حضرية، ويتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى نحو 70 في المائة بحلول عام 2050 (متوقع أن يبلغ سكان العالم العربي حينها 646 مليون نسمة). ** وفي المقابل، عجزت المدينة العربية عن الاستجابة للتحديات التي تفرضها معدلات التحضر المتسارعة هذه، بدءًا من الصراع اليومي لتوفير الاحتياجات الأساسية، مرورًا بترهل البنية التحتية: مرافق المياه والكهرباء والصحة والتعليم. هذا ناهيك عن «الانتفاخ الشبابي» (Youth Bulge)، وهو ارتفاع نسبة الشباب مقارنة بالفئات العمرية الأكبر سنًا. فنحو 60 في المائة من سكان العالم العربي أقل من 25 عامًا. وطبيعي أنه ولأسباب تتعلق بغياب الفرص في الحياة الكريمة، وارتفاع معدلات التهميش والفقر، وصعوبة الحراك الاجتماعي ترتفع معدلات الاستقطاب الاجتماعي والاقتصادي وكذلك العنف الحضري. ومع ذلك، راجت نظريات وتفسيرات وآراء تبسيطية نظرت إلى المدينة العربية على أنها فضاء مكاني لا يضربه التغيير، وتعيش فيه شعوب لا تحرك ساكنًا. أما العنف الحادث في البيئات الحضرية العربية، فهو حسب هذه الرؤى، ليس بالعنف الحضري المألوف، ذلك لأن الغضب الحضري هو نتاج سياسي لأزمة واحتقان اقتصادي واجتماعي. وهذا العنف يتطلب حداثة ما، لم تحققها الحواضر العربية. ***
لم تفطن هذه النظرات التبسيطية إلى تحولات عقود في المنطقة العربية، قلبت الأمور رأسًا على عقب. ارتج بنيان الدولة العربية بفعل ذلك الانتقال الحثيث لمدنها على حساب الريف ومن ثم اتساع وتطور المجال الحضري العام. ولم تعد المدينة العربية، كما كانت في العصور الوسطى، مجرد حاصل جمع المباني الأربعة: المسجد والسوق والقلعة والسور. لم تعد المدينة العربية ولا أهل الحضر كما وصفهم ابن خلدون في مقدمته «أن أحوالهم [أهل المدن] زائدة على الضروري». فقد تبدلت أحوال حضر العالم العربي إلى نقص في الضروريات. وتغيرت بنية وهيكل المدن العربية، فانقسمت المدينة العربية إلى مدينتين، واحدة للأغنياء وأخرى للفقراء، على ما يقول الراحل عبد الرحمن منيف في «سيرة مدينة». في «مدينة الفقراء»، غاب الحد الأدنى من ضرورات الحياة الكريمة، مترافقًا مع انسداد سياسي وعجز الدولة العربية عن الاستجابة لمطالب السكان. وفي لحظة قبل ست سنوات، انفجرت المجتمعات الحضرية، رافعة قائمة مطالب عريضة، إلا أن العنف كان لها بالمرصاد. قوض هذا العنف مدنًا، وأنهك أخرى.
عنف المدن عنفان
يشير «العنف الحضري» هنا إلى طائفة عريضة من الممارسات الصراعية داخل المناطق المدينية، وتشمل اضطرابات وتوترات داخلية، وأعمال شغب، تؤدي للإخلال بالنظام العام، وتتضرر منها الفئات الأكثر استضعافًا. ويرتبط «العنف الحضري» أوثق الارتباط بالتحول في المشهد العمراني للمدينة واتساع النطاق الحضري اتساعًا مطردًا. ومع هذا الاتساع تظهر أزمات من اكتظاظ السكان، وتردي أحوال البيئة، وتهدم المساكن والبنية التحتية والخدمات، وما يسفر عنه من مشكلات اجتماعية. ويندرج «العنف الحضري» قانونًا تحت مظلة «حالات العنف الأخرى» التي تنص عليها اتفاقيات جنيف. «العنف الحضري» هو أعمال عنف، لكنه لا يمثل نزاعًا مسلحًا دوليًّا أو غير دولي. وهو يشمل الاضطرابات المدنية والشغب وأعمال «الإرهاب». وفي السنوات الأخيرة، أبدت اللجنة الدولية اهتمامًا بهذا الشكل من العنف في «البيئات الحضرية» نظرًا لما له من عواقب إنسانية وخيمة، وتأثير فادح على التنمية المستدامة، إذ إنه يضع ملايين البشر، ممن يعيشون في مناطق شديدة الخطورة، في دائرة التجاهل. وحسب اللجنة الدولية، فالعنف هو «المحرك الأساسي، في بقاع كثيرة من العالم، لانتكاسات التنمية في المدن». ****
هناك نمط آخر من العنف يواجه المناطق الحضرية وهو النزاعات المسلحة التي تتخذ من المدن مسرحًا لها. هذا النزاع المسلح هو «حروب المدن»، وهو يختلف عن «العنف الحضري» في أن مستوى العنف أشد، والأضرار الناجمة عن القتال أكبر. وحسب اللجنة الدولية فهناك في العالم حاليًا نحو 50 مليون شخص يتضررون من النزاع المسلح في المناطق الحضرية. ويتحول كثير منهم إلى نازحين داخليًا في المناطق الحضرية. وتدك «حروب المدن» حاليًا أربع دول عربية في سورية وليبيا واليمن وقبلها في العراق. ويقول خبراء إن واحدة من أهم خصاص حروب ما بعد «الثورات العربية»، هو أنها نزاعات تدور في الغالب في حيز حضري مكتظ بالسكان ما يؤدي إلى ارتفاع التكلفة الإنسانية لهذه النزاعات. فقد جرى تقويض حواضر كاملة، تتطلب سنواتٍ طوالًا، وربما عقودًا، لإعادة الإعمار. وهناك أذى مباشر أصاب المدنيين، أوقع عشرات الآلاف من القتلى، ومئات الآلاف من المصابين، وكذلك نزوح يتكرر ويطول أمده من المناطق الحضرية وإليها.
أجندة حضرية إنسانية
«العنف الحضري» و«حروب المدن» كانا على أجندة مؤتمر أممي مهم، عُقد في كيتو بالإكوادور في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بهدف إقرار منظومة من السياسات والالتزامات الدولية الرامية إلى مساعدة المدن على مواجهة التحديات الحضرية. أبرز هذه التحديات تتمثل في مشاكل الفقر وعدم المساواة، وارتفاع معدلات العنف الحضري، وكذلك النزاع المسلح الواقع في المدن. وقد تبنى مؤتمر الأمم المتحدة للإسكان والتنمية الحضرية المستدام (الموئل الثالث) خطةً حضريةً جديدةً، مفسحًا مجالًا واسعًا لحماية المدنيين في المناطق الحضرية في وقت النزاع المسلح.
ومع أن هذه ليست المرة الأولى التي تشير فيها قمة الموئل إلى التحديات الإنسانية للعنف في المناطق الحضرية، سواء كان العنف الحضري المزمن، أو العنف الذي يتخذ شكل حروب المدن، إلا أن الإشارة السابقة المتمثلة في الوثيقة الختامية النهائية الصادرة عن قمة الموئل الثاني (عُقدت في إسطنبول في عام 1996) تضمنت طرحًا خجولًا حول التحديات الإنسانية التي تواجه المدن. علاوة على ذلك، فالمشهد الحضري الآن، وقت عقد قمة الموئل الثالث، أشد ضراوة مما كان عليه قبل عشرين عامًا. وتشير خبرة السنوات الماضية إلى مأساة حقيقية في حروب المدن، ففي العالم العربي مثلًا أدى النزاع المسلح في المناطق الحضرية إلى أضرار مباشرة بالمدنيين، من قتل وحصار وتجويع وإجبار على النزوح، علاوة على تدهور طويل الأمد في الخدمات والبنية التحتية الأساسية في المناطق الحضرية.
ونظرًا لخبرة اللجنة الدولية العريضة في العمل في مناطق العنف الحضري، إذ تقف شاهدة على العواقب الإنسانية الوخيمة لحروب المدن، فقد أدت دورًا مؤثرًا في دفع قمة الموئل الثالث على تبني أجندة حضرية تضع المدنيين والفئات الأكثر استضعافًا في أولويات التخطيط الحضري.
وقد شاركت اللجنة الدولية في المؤتمر برؤية عن العمل الإنساني في المناطق الحضرية. وتتمثل المرتكزات الأساسية للرؤية في: احترام القانون الدولي الإنساني أثناء حروب المدن، ودعم خدمات حضرية قادرة على الصمود أثناء النزاع المسلح، ومساعدة الحكومات على العمل مع الأشخاص المتضررين من العنف المزمن في المناطق الحضرية. كما طرحت اللجنة الدولية، بناءً على هذه المرتكزات، توصيات عشرًا، ينبغي لها أن تُدمج في صلب أي سياسات جديدة تستهدف أمن المدن وسلامتها وقدرتها على الصمود. وتعني هذه التوصيات باتخاذ تدابير تحد من تأثير النزاع المسلح وأشكال العنف الأخرى على التنمية الحضرية. وتشمل التوصيات احترام قواعد القانون الدولي الإنساني في فترات النزاع المسلح في المدن، وهذه تتضمن أن تتجنب الدول – قدر المستطاع – وضع الأهداف العسكرية داخل المناطق المكتظة بالسكان أو بالقرب منها، وحظر الهجمات العشوائية على المدنيين، وتجنب استخدام الأسلحة المتفجرة التي لها تأثير واسع النطاق في المناطق المأهولة بالسكان. كما تشمل قائمة التوصيات، دفع الدول إلى تبنى أجندات تنموية كتبني سياسات لتمكين المجتمعات المحلية التي تعيش في مناطق حضرية يسودها العنف.
هوامش
*مصدر الإحصائيات هو «ويكي ثورة» المعني بحصر قتلى ومصابي أعمال العنف التي جرت في مصر منذ 25 كانون الثاني/ يناير 2011. https://wikithawra.wordpress.com/
**لمزيد من المعلومات عن الحالة الحضرية في العالم العربي، انظر التقرير المهم الذي أصدره برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل):
Habitat, U. N. “The State of Arab Cities 2012: Challenges of Urban Transition.” Nairobi: UN Habitat (2012).
***هذا السجال مذكور في فصل مطول كتبته الأكاديمية من أصل إيراني ليلى خليلي بعنوان «التفكير في العنف»، المصدر:
Khalili, Laleh. “Thinking about violence.” International Journal of Middle East Studies 45, no. 04 (2013): 791-794.
**** مذكورة في: ورقة سياسات: العنف المسلح والخطة الحضرية الجديدة، توصيات اللجنة الدولية لمؤتمر الموئل الثالث، الرابط: https://goo.gl/RWTeka
نُشر هذا الموضوع في العدد رقم 62 (خريف/ شتاء 2017) من مجلة «الإنساني».
روابط ذات صلة:
لا أحد يبكي على مدن اليمن
هنا حلب أو مدرسة تعلم ثقافة الحياة
أمنيات الخلاص الصغيرة في الوعر المحاصر
يوميات قذائف تدك مدن سورية