1976: لا أذكر ذلك المنزل الأول أسمع عنه فقط. قيل لي إنني ولدت فيه وإنه كان يقع عند نهاية الشارع. قيل لي إنه بعد ساعة من ولادتي سقطت قذيفة بالقرب من منزلنا وإنني بكيت كما لم يبكِ طفل. كان أول لقاء لي مع الحرب. انتقلنا منه إلى منزل آخر في وسط الشارع نفسه. حسنًا فعلنا؟ لا أعرف، فالمنزل الأول تحول إلى كومة من الركام بفعل تفجير طال مكتبًا حزبيًّا في البناية نفسها، لكن المنزل الثاني لم يكن مصيره أفضل.

1982: الجيش على أبواب بيروت، وبيروت تحت الحصار. كانت أمِّي تجمع ملابسنا وبعض الأوراق المهمة في حقيبة تمهيدًا للخروج. الغارات تتوالى حولنا ورائحة الدخان طاغية. كنت أرى الطائرات تحلق، من الشرفة. لم أكن أعرف أن الخروج من بيتي هذه المرة إلى منطقة أكثر أمانًا سيجعلني أختبر الخسارة الأولى لبعض من طفولتي. وأن سبحة الخسائر ستستمر لسنوات طويلة مقبلة. هي الحرب إنما بالنسبة لطفلة لا يهم شيء سوى أن تستعيد أماكنها وأشياءها عندما تعود. لكن ذلك لن يحصل إلا جزئيًّا. فالسرير الإضافي الحديدي الكبير الذي كانت تنام عليه صديقة لوالدتي بمقام خالتي، سيتحول إلى كومة من الحديد المعجون. وخزانة ملابسي ذات اللون الأزرق السماوي، تلك التي كنت أخاف أن يخرج من داخلها وحش يخيفني، تحولت إلى نصف خزانة، ركنت في الشرفة كمخزن. أما منزل الدمية الذي حصلت عليه في عيد ميلادي، فلن يبقى منه سوى بعض أثاث منثور. وستبقى آثار تلك القذيفة الطائرة ماثلة في أركان الحمام، الذي شُوِّهت زواياه. بعد سنوات سأستعيد بعضًا من ذكريات بيتي ذلك، في إطار شباك حديدي وشرفة بيت آخر بعيد.
1986: جدتي لا تتوقف عن الحركة. أسمع تنقلها في أرجاء المنزل مع الفجر. تبدأ بكنس أوراق الشجر من أمام الباب ثم تنطلق إلى المطبخ لتنظيفه وإعداد طعام الإفطار بعد أن تكون قد أنهت تنظيف باقي غرف المنزل. إنها السابعة والنصف صباحًا وكل شيء أصبح جاهزًا. منزل برائحة الذكريات والعائلة المجتمعة والياسمينة التي تظلل بابه. أقفل المنزل، وهاجرت العائلة، أما رائحته فأشمها كل يوم في شتلة الياسمين الصغيرة على شرفتي في مدينة بعيدة…
1989: حرب جديدة بدأت، ستقعدنا خارج بيتنا لسنوات… هذه المرة أيضًا ستطال القذيفة أماكني وأشيائي. سأخسر اللعبة الأخيرة التي أهداني إياها جدي، وخزانتي الصغيرة، وجهاز «الأتاري»، والإسورة الفضية ذات الأجراس. سأسكن في منزل قريب برائحة الكتب. هناك حيث المكتبة الصغيرة الغريبة المعلقة على الجدار الضيق. غرابتها كمنت في ما تحتويه. كتب صغيرة، مرصوصة، تستدعيك لأن تلتقطها، وكأنها تناديك باستمرار بلغة تسمعها بغير أذنين. شعور بالإدمان يغشاك كلما تناولت كتابًا ففتحته، ثم لم تتمكن من إغلاقه حتى تصل لجلدته الأخيرة. لكن الأغرب أن المكتبة لم تكن تنضب. وكلما انتهيت من كتاب استدعاك آخر ثم آخر. زمن قرأت فيه أكثر من أي وقت آخر في حياتي، السابقة واللاحقة. اليوم أعرف أن تلك السنوات وكتبها هي التي صقلتني لما أنا عليه اليوم، هي التي هدمت أفكارًا وأحلَّت مكانها أخرى أكثر ثورية، أو هكذا بدت لي. لكنها بالتأكيد كسرت الكثير من المسلَّمات التي كنت أحملها. واليوم ما زالت تلك الرائحة تجذبني في المنازل، وتراني مشدودة دومًا إلى تلك الزاوية، حيث الكتب تنتظر من يلتقطها.
2003: منزل بلا رائحة، بلا طعم ولا لون. هو سقف وأربعة جدران. مكان للمبيت فقط. ميزته الوحيدة أنه قريب من ذلك الذي كان بيتي ومن شارعي في ذلك الحي العائلي. ميزته قربه من القصص التي عشتها ومن الأهل والجيران. يضم في غرفه بعضًا من أشيائي لكن دائمًا ما يغلبني الشعور أنها في غير مكانها. قبيحة هي الأماكن المحايدة…
2017: بيتي الجديد. ما زلت أحاول اكتشاف روحه ونشر الروائح التي أحبها فيه: رائحة الأطفال وهم يلعبون، رائحة إعداد الطعام في المطبخ، رائحة الخشب المنتشر في زواياه، رائحة الحب والياسمين والكتب. أحاول أن أبعد القلق المتجذر فيَّ. هنا ملجئي. أخشى فقدان أي من روائحه المحببة. ليس لي القدرة على تحمل الفقد مرة أخرى…
**نُشر هذا الموضوع في العدد رقم 62 (خريف/ شتاء 2017) من مجلة «الإنساني».