حذر رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بيتر ماورير من أن النزاع المستعر طيلة خمسة أعوام في سورية، يهدد منطقة الشرق الأوسط بأكملها. وأضاف في حوار مطول أجرته معه «الإنساني»، في أيار/ مايو 2016 أن «سورية أصبحت رمزًا للحرب في مطلع القرن الحادي والعشرين»، نظرًا لتعقد الصراع وتنوع المجموعات المسلحة وهذا القدر المهول من السكان المتأثرين بالنزاع. وتناول ماورير، الذي تولى مقاليد الأمور في اللجنة الدولية العام 2012، رؤيته لأهم القضايا الإنسانية التي تعمل عليها المنظمة الدولية في الوقت الراهن والتحديات التي تواجهها. كما طرح رؤيته للدور الذي يؤديه القانون الدولي الإنساني اليوم في حماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة وأزمة اللاجئين.

 

بعد مرور خمس سنوات على ما يعرف بـ «الربيع العربي»، كيف ترى الوضع في المنطقة والنزاع في سورية، بالنظر إلى الطريقة التي تطورت بها النزاعات في المنطقة، أخذًا في الاعتبار أن أولى زياراتك إلى منطقة الشرق الأوسط بصفتك رئيسًا للجنة الدولية كانت إلى سورية؟

 

زرت سورية عقب شغلي منصب رئيس اللجنة الدولية بفترة وجيزة. أعتقد أنها كانت ثاني زيارة لي عمومًا، وقد تركت لديَّ انطباعًا عميقًا. أتذكر أنه قبل وصولي سورية بأسبوعين [وصلت آب/ أغسطس 2012] قررنا تصنيف العنف الآخذ في الانتشار آنذاك على أنه نزاع مسلح داخلي وفق القانون الدولي الإنساني. قبل ذلك، كانت الانتفاضة الشعبية السورية ارتفعت إلى مستوى النزاع المسلح الداخلي في بعض المناطق. لم يخطر ببالي مطلقًا، في ذلك الوقت، أن الصراع سيتخذ هذا المنحى الذي نراه الآن. لم نفكر قط في أن الوضع في سورية سيكتسب هذه الرمزية، وذلك الأثر الذي يخلفه على حياة الناس؛ الدمار الذي طال البنية التحتية، ونزوح السكان في أرجاء المنطقة وما وراءها، وانهيار منظومات الخدمات: المياه، والصرف الصحي، والسكن، والمدارس، وفوق هذا كله، انهيار الرعاية الصحية.
لذا فالنزاع في سورية من وجهة نظري أصبح رمزيًّا، سورية أصبحت رمزًا للحرب في مطلع القرن الحادي والعشرين. وأعني بالرمزي أنه يؤشر لظهور نوع جديد من النزاعات يُخلف أثرًا أكبر مما عهدناه طوال عقود. فالنزاع هنا أعمق وأكثر صراحة من كثير من النزاعات الأخرى من حيث عدم احترام القانون الدولي الإنساني، وتفتت الأطراف الفاعلة، وتسييس العمل الإنساني لمصلحة أطراف النزاع. لقد أصبح الوضع الإنساني بشكل متزايد شاغلًا يوميًّا لمجلس الأمن. أنا لا أقول إن كل شيء يخص النزاع في سورية هو سابقة أولى من نوعها في إطار الحراك الأوسع الذي يشهده العالم العربي، لكنه يعبر في كثير من جوانبه عن نوع جديد من النزاعات التي تخلف آثارًا مغايرة على السكان.

 

من مشاهد الدمار في حمص السورية. 2016. تصوير (Pawel Krzysiek/ICRC).

تبعات الربيع العربي تستدعي إلى الذهن محاولات التنمية الفاشلة في العالم العربي
 ثم هناك سؤال يتبادر إلى الذهن وهو لماذا يحدث هذا؟ وما النظريات المفسرة له؟ لا يسعني سوى التفكير في أن «الربيع العربي» بجميع تبعاته يستدعي إلى الذهن محاولات التنمية الفاشلة على مدار العقدين الماضيين، لا سيما خلال السنوات العشر إلى الخمس عشرة الأخيرة.  شملت الأهداف الإنمائية للألفية التابعة للأمم المتحدة وعدًا بتحقيق التنمية، وجاء التقرير العربي للأهداف الإنمائية للألفية ليتبنى هذه الأهداف كما تناولها بالنقد. حقق العالم العربي نموًّا جيدًا نسبيًّا على المستوى الاقتصادي، لكن كان هناك شعور عميق بالظلم لدى المجتمع، وكانت هناك حالة من التوتر بين طبقات النخبة التقليدية والطبقات الأكثر ثراءً في مقابل الطبقات المتطلعة لتحقيق العدالة إلى جانب النمو الاقتصادي. في حالة سورية، تصاعدت حدة هذه الانقسامات والتوترات نتيجة اتساع الهوَّة بين تطلعات المجتمع والقيادة السياسية لتتحول إلى قوة محرِّكة للنزاع المؤسف الذي دمر المجتمع بأسره. ربما تعد الحالة السورية رمزًا لهذا التوتر، إلا أنني أعتقد أنها تمثل تهديدًا خطيرًا للمنطقة بأسرها. ونحن بالطبع نتعامل مع الجانب الإنساني لهذه التوترات. أعتذر لطول الإجابة، فهذا موضوع يستدعي لديَّ الكثير من المشاعر، فأنا أومن أن العالم العربي يستحق أفضل مما هو عليه الآن.
لم أكن أتصور أن النزاع في سورية سيتخذ المنحى الذي نراه الآن

رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بيتر ماورير في الأردن. تصوير: أحمد هبد الفتاح/ اللجنة الدولية.

في منتدى دافوس الأخير، انتقدت بوضوح رد الفعل الأوروبي تجاه أزمة الهجرة وطريقة التعامل معها. هل تعتقد أن أزمة اللاجئين تضع القيم الأوروبية تحت الاختبار، تلك القيم التي لطالما دافعت عن حماية حقوق الإنسان؟
من وجهة نظر اللجنة الدولية، كان أول ما أدهشني في رد الفعل الأوروبي القوي، سواءً بالشكل الإيجابي أو السلبي، أن المناقشات في أوروبا لم تركز بالشكل الكافي على المشكلة الأكبر. نعلم منذ زمن بعيد أن النزوح القسري ليس ظاهرة قاصرة على منطقة الشرق الأوسط، فلقد حدثت من قبل في أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا. ولطالما تعاملت اللجنة الدولية مع آثار النزوح القسري في بقاع عدة حول العالم. لكن الأوروبيين لا يدركون شعور التضامن الذي يبديه النازحون في كثير من هذه الأماكن.
في الصيف الماضي، عندما بدأت جموع من المهاجرين السوريين والأفغان التوافد على أوروبا بأعداد كبيرة، لم يدرك الأوروبيون أن أعدادًا كبيرة من هذه الجموع نزحت للمرة الثانية أو الثالثة. ولم يدركوا أيضًا أن الملايين حصلوا على مأوًى ومساعدات في مناطق أخرى داخل بلادهم أو في بلاد مجاورة، كما هي الحال في منطقة بحيرة تشاد، ومنطقة البحيرات العظمى في أفريقيا، والصومال، وإثيوبيا، وإيران، وأفغانستان، وأميركا الوسطى، وبنغلاديش، وميانمار، وتايلاند. الأمر الآخر الذي صدمني هو رد الفعل المستقطب الذي أبداه المجتمع الأوروبي تجاه النازحين. فبينما أبدت منظمات غير حكومية أوروبية ترحيبًا وحفاوة بالغين، أبدى فريق آخر ردود فعل مفرطة في السلبية والدفاعية.
وكما صرحت في دافوس، فإنني أشعر بالأسى أن ردود الفعل الدفاعية والسلبية للأوروبيين طغت على الخطاب السياسي خلال الشهرين أو الثلاثة الماضية، وسُلط عليها الكثير من الضوء، في حين قوبلت ردود الفعل الإيجابية بالتجاهل. وصُدمت كذلك لدى رؤيتي هذا القدر من الاستهانة والتساهل في تناول بعض السياسيين الأوروبيين الأحكام الرئيسية للقانون الدولي الإنساني وقانون اللاجئين، وكأنها قوانين لا تحظى بأدنى قدر من الأهمية فضلًا عن ضرورة الامتثال لها حرفيًّا. وكأن احترام هذه القوانين ليس شرطًا أساسيًّا لينال المرء صفة زعيم شرعي وأخلاقي في السياسة العالمية.
التقيت منذ منتدى دافوس العديد من وزراء الخارجية على هامش مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وما صدمني خلال تلك اللقاءات هو وعيهم الضئيل بالضرر الذي يسببه الخطاب المهيمن على أزمة الهجرة. هذا الخطاب يضر بسمعة الاتحاد الأوروبي في العالم بوصفه رائدًا في القانون الدولي والأخلاق والمبادئ. أعتقد أن الأنظمة السياسية الأوروبية بحاجة لإعادة التوازن إلى نهجها. يعلم الجميع أن هناك معضلات تصاحب التنقلات الجماعية للسكان. لكن المشكلة الآن أننا لا نسمع عن تلك المعضلات، نحن لا نسمع سوى تعزيزات على الحدود، وعن إعادة اللاجئين إلى حيث أتوا في أقرب وقت ممكن.
هذا الموقف لا يعالج المشكلة بشكل كافٍ على المدى البعيد، ولا يدعم موقف الاتحاد الأوروبي وسمعته كرائد في مجال تطبيق القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان على مستوى العالم. الكل يدرك أن التطرف مشكلة خاصة بعد أحداث بروكسل [في آذار/ مارس الماضي]، وبعد مرور أشهر قليلة على الأحداث التي شهدتها باريس [تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي]. يرتبط التطرف في بعض الأماكن بحركات الهجرة. لكن من غير الممكن أن تُحل المشكلة باتخاذ موقع دفاعي أو بتجاهل القانون الدولي الإنساني والاستهانة به. ثمة التزام يقع على عاتق الهيئات والمنظمات الدولية يقضي بأن تعمل مع الأوروبيين بما يضمن تنفيذ القرارات المتخذة على النحو الذي يصون حقوق الإنسان الأساسية، والقانون الدولي الإنساني، وقانون اللاجئين. لديَّ تفاؤل حذر فقد سمعت خلال اليومين الماضيين بعض الزعماء الأوروبيين المهمين يقول إن الاتفاق مع تركيا يجب أن ينفذ بما يتفق مع القانون الدولي. لذا يبدو أن هناك مساحة للتأثير والنقاش، وهذا شيء أُقدره.

رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بيتر ماورير في سورية. تصوير ( (Ibrahim Malla/ ICRC.

لنفترض أن دولًا بعينها تقدم المساعدات الإنسانية أو تستقبل اللاجئين في حين تشارك حكوماتها في الوقت ذاته في أعمال أو مباحثات عسكرية بشكل أو بآخر. في رأيك، كيف يمكننا التوفيق بين المصالح العسكرية والسياسية من جهة، والمصالح الإنسانية من جهة أخرى، وكيف يؤثر هذا التوفيق على الاستجابة الإنسانية؟
نحن نتعامل في اللجنة الدولية مع هذا التناقض، فهذا أحد أسباب وجودنا. لا يمنع القانون الدولي الإنساني اندلاع الحروب. وهو يقبل هذا التناقض، يقبل بحقيقة أن الدول قد تلجأ إلى النزاع المسلح، فيحاول منع وقوع الأسوأ والمحافظة على حد أدنى من الإنسانية في تلك النزاعات. وتكون المشكلة أكثر صعوبة عندما ننظر إلى مدى مشروعية الحرب ومسوِّغات تبريرها. عليَّ أن أذكِّر الناس دائمًا بأن المؤسسين الأوائل للجنة الدولية والحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر لم يروا أي تناقض بين التخفيف من آثار الحرب وبين الكفاح لتخليص العالم من الحروب. لقد رأوا أن اعتناق هذه الفكرة يُعد خطوة أولى نحو عالم أكثر سلامًا. كانوا في بعض الأحيان أكثر وضوحًا منا نحن اليوم في مناداتهم بانتهاج سياسات من شأنها التخلص من هذه التناقضات.
وليس من قبيل الصدفة أن يكون هنري دونان [مؤسس اللجنة الدولية للصليب الأحمر] من بين الأوائل الذين نالوا جائزة نوبل للسلام [حصل عليها مناصفة في العام 1901]. لم يكن سبب حصوله على الجائزة أنه الأب المؤسس للجنة الدولية، ولكن لدعوته إلى نشر السلام. وعلينا في اللجنة الدولية اليوم أن نكون حريصين لئلا نُفرط في بذل جهود بناء سلام أكثر طموحًا، نحن بحاجة إلى أن نظل قادرين على الوصول إلى الناس في أصعب الظروف. الإنسانية في صورتها الخالصة تساعدنا على تحقيق ذلك، لكن هذا يعني أن علينا أن نقبل بالتناقض. غير أن هذا لا يعني أن الآخرين لا يجب أن يشاركوا ويكافحوا بقوة أكثر لإيجاد حل لهذا التناقض.

هنري دونان [مؤسس اللجنة الدولية للصليب الأحمر] من بين الأوائل الذين نالوا جائزة نوبل للسلام بسبب دعوته إلى التخفيف من ويلات الحروب. الصورة من مقتنيات اللجنة الدولية.

يشكك البعض في اتفاقيات جنيف وفي قوة تأثيرها في عالمنا اليوم. مؤخرًا، أطلقت اللجنة الدولية دليلًا إرشاديًّا جديدًا حول تطبيق اتفاقيات جنيف يتناول تأثير الاتفاقيات وطرق الحرب وأساليبها الجديدة. ما رأيك في نزعة التشكيك هذه، وكيف ترد على أولئك المشككين؟
على الرغم من كل أشكال التغيير التي طرأت على النزاعات، وأطرافها، والأسلحة، والاستراتيجيات، وأنواع العنف، فأنا أومن أن اتفاقيات جنيف تظل إطارًا لا يقبل الجدل في توجيه الدول، والمجموعات المسلحة من غير الدول، والمنظمات الإنسانية المحايدة، وغير المتحيزة، والمستقلة في النزاعات التي نشهدها اليوم. لكن القانون الدولي الإنساني لا يدور حول اتفاقيات جنيف فقط. فقد خضع القانون للتفسير، والتعريف، والتطوير على مدار العقود الماضية، وهو يتضمن اتفاقيات مهمة خاصة بالأسلحة، ومبادئ توجيهية، وقوانين غير ملزمة خاصة بالنازحين داخليًّا وغيرها. ما يهمني كرئيس للجنة الدولية ليس وجود من يشكك في مكانة الاتفاقيات، بل الطريقة التي تنتقد بها اتفاقيات جنيف.
البعض يقول إن اتفاقيات جنيف لا تحل جميع المشكلات التي نواجهها في نزاعات اليوم، وعليه يجب أن تخضع الاتفاقيات لمزيد من التطوير والتوضيح والتفسير كي تسد الثغرات في القانون الدولي الإنساني. لكنني أخشى أن بعض من يشككون في اتفاقيات جنيف غايتهم من ذلك هي تجنيب أنفسهم الالتزام بتطبيق تلك المعايير. علينا أن نفعل العكس؛ أن نقر بأن إطار القانون الدولي الإنساني غير كافٍ وأنه بحاجة لأن يخضع للتطوير كي يضمن حماية الناس ومساعدتهم بشكل أفضل في المستقبل. أنا مستعد للرد على كل من يقول إن اتفاقيات جنيف باتت غير مجدية في يومنا الحاضر، لأنها ليست كذلك. أما من يقول إنها غير شاملة، فأقول حسنًا، هذه نقطة يمكننا الانطلاق منها.

البعض يقول إن اتفاقيات جنيف لا تحل جميع المشكلات التي نواجهها في نزاعات اليوم. تصوير (NIC BOTHMA/Epa)

أعتقد أنك كنت تعلق آمالًا على أن تقطع الدول على أنفسها التزامات أكثر قوة بتعزيز القانون الدولي الإنساني خلال المؤتمر الدولي للصليب الأحمر والهلال الأحمر الذي عُقد في كانون الأول/ ديسمبر الماضي. هل خيبت النتائج في هذا الشأن آمالك؟
في الحقيقة نعم. وقد تعرضت للنقد للإعراب عن شعوري بخيبة الأمل، فعندما تكون رئيسًا لمنظمة أو دبلوماسيًّا تدرك أن المؤتمرات لا يمكن أن تفشل أو أن تخيب الآمال. بالطبع كنت آمل أن يصدر قرار أكثر طموحًا. وشعرت بخيبة الأمل لأن المقترح الذي قدمته اللجنة الدولية وسويسرا أمام الدول والحركة لم يحشد الدعم الذي كنت أطمح إليه.
لذا فأنا أؤكد مجددًا وبكل صراحة خيبة أملي من النتائج مقارنة بتوقعاتي. من جهة أخرى، تمثل هذه المناسبات فرصًا مواتية لننظر بعين ناقدة لنرى إذا كان ما اقترحناه مناسبًا. وربما يمكننا توسيع نطاق تفكيرنا وأن تتفتق أذهاننا عن أساليب أخرى لتعزيز تطبيق اتفاقيات جنيف. أعتقد أنه من الواجب أن نكون حذرين، وألا نصف كل من أبدى اعتراضه على المقترح بأنه لا يلتزم بتطبيق اتفاقيات جنيف. ربما يكون شعوري بخيبة الأمل باعثًا على العمل مع الجميع مجددًا بطريقة أكثر جدية، لنعرف ما الذي ينبغي لنا فعله بطريقة مختلفة لجسر الهوة بين الالتزام السياسي المستند إلى الرغبة في تطبيق القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف والنتائج المخيبة للآمال التي حصلنا عليها. علينا أن نتراجع بضع خطوات وأن نبحث ربما عن صيغة أفضل للتطبيق. لذلك أنا أشعر بخيبة أمل بسبب نتائج المؤتمر لكن همتي لم تثبط. وأعتقد أنه يجب أن نتعاون مجددًا وأن نبحث عن المزيد من الأساليب للمضي قدمًا في هذه القضية.
لدينا أكثر من نظام إنساني: منظومة الأمم المتحدة، ومنظومة الصليب الأحمر والهلال الأحمر، والمنظمات غير الحكومية المحلية التي لا تنتمي إلى أي من المنظومتين.
ما التحديات الثلاثة الأبرز التي ستتحدث عنها أمام مؤتمر القمة العالمي للعمل الإنساني المزمع عقده في إسطنبول، وما الرسالة التي تود إيصالها للمشاركين؟
النقطة الأولى بلا منازع في رسالتي إلى مؤتمر القمة العالمي للعمل الإنساني ستكون حول الالتزام الدقيق والقوي بالقانون الإنساني، والمبادئ التي تنتهجها المنظمات الإنسانية وأعمال الحماية التي تضطلع بها. وأعتقد أنه من المهم تسليط الضوء على هذا الجانب من العمل الإنساني. تحدث الكثيرون أثناء العملية التشاورية عن تحسين المساعدة الإنسانية، والتعامل مع مشكلات الوصول والأمان، والتنسيق. وهذه بلا شك قضايا مهمة، لكنها ليست القضايا الأهم بالنسبة للجنة الدولية.
خلال زياراتي الأخيرة إلى سورية، وأفغانستان، والصومال، واليمن وأماكن أخرى ثبت لي مجددًا أن أعمال الحماية تمثل حجر الزاوية ليس فقط في استراتيجية اللجنة الدولية، بل كذلك في تمكيننا من الاستجابة للتحديات الإنسانية في عالمنا المعاصر. وأن أعمال الحماية تتطلب وجود قواعد قوية تستند إلى قوانين ومبادئ راسخة. أعتقد أننا سنبعث في مؤتمر القمة المقبل كمنظمة رسالة قوية حول الحماية، والقانون، والمبادئ.  النقطة الثانية ستكون بالتأكيد حول رؤيتنا بشأن الصيغة التي تكون عليها الاستجابة الإنسانية الفعالة في المستقبل. في الوقت الحالي أنا لست مقتنعًا بما ورد في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة من تشديد على التنسيق أو الأهمية التي علقها على إنشاء نظام إنساني موحد والعمل على ذلك. فأنا أعتقد أن لدينا أكثر من نظام إنساني: منظومة الأمم المتحدة، ومنظومة الصليب الأحمر والهلال الأحمر، والمنظمات غير الحكومية المحلية التي لا تنتمي إلى أي من المنظومتين.
علينا أن نحاول ضمان قدرة هذه المنظومات على الاستجابة بشكل أكثر جدية لاحتياجات الناس، لكني مقتنع أن المشكلة لا تكمن في التنسيق. نعلم أن هناك مدنًا بها 100 منظمة غير حكومية و35 وكالة إنسانية وعدد من جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر الوطنية وأنا أول من يقر بأن ثمة حاجة للتنسيق بينها. لكن تلك ليست القضية. المشكلة الرئيسية بالنسبة لي هي المناطق الشاغرة على خريطة العالم. فالتنسيق ممكن متى رغبنا في تحقيقه، لكن إذا لم يكن هناك أحد، ما الذي سننسقه؟ يجب أن نشدد على أهمية التركيز على المناطق التي يكون الحضور فيها ضئيلًا أو لا يوجد بها أي حضور على الإطلاق، بدلًا من التركيز على الإدارة التفصيلية حيثما توجد العديد من الهيئات العاملة. فهذا أمر في غاية الأهمية.
أما النقطة الثالثة فتتعلق بالتمويل. أعتقد أن اللجنة الدولية أظهرت على مدار السنوات القليل الماضية أنها تنتهج استراتيجية قوية لتوسيع قاعدة الجهات المانحة للعمل الإنساني. جميع القضايا الواردة في تقرير الفريق الرفيع المستوى مثيرة للاهتمام ولدى اللجنة الدولية إسهام في كل قضية. إنه لمن المهم توسيع قاعدة المانحين من الدول لتشمل جهات أخرى، بما في ذلك الجهات الخاصة، ومن الضروري أيضًا النظر إلى إمكانية استغلال المزيد من الأموال الموجهة للتنمية في مجال العمل الإنساني، وتمويل الأنشطة في السياقات الهشة. ومن المهم أيضًا تطوير أدوات مبتكرة مثل السند الإنساني الأثر.
فإذا كنت تريدين مني كلمات رئيسية؛ ففي المقام الأول تأتي الحماية والقانون الدولي الإنساني، ثم نظام متكامل ومتنوع بدلًا من نظام منسق، وأخيرًا طرق جديدة ومبتكرة لتوسيع قاعدة المانحين. فالفرضية الأساسية التي ننطلق منها أن الاحتياجات ستزداد، لذا يجب أن تشغل هذه القضايا تفكيرنا.
إن لم نكن مخطئين، كانت ميزانية اللجنة الدولية قبل عقد مضى نحو مليار فرنك سويسري، وفي العام الماضي شارفت على 1,80 مليار فرنك. تحدثت عن تنويع قاعدة المانحين، كيف تخطط اللجنة الدولية لتحقيق ذلك بشكل ملموس في ظل اقتصاد يعاني الركود، حيث لا يستطيع المانحون مواكبة تزايد أنشطتنا المرتبط بتزايد الاحتياجات، هل ستستطيع اللجنة الدولية تحقيق أهدافها في هذا الصدد؟
أثبتنا على مدار العامين إلى الثلاثة أعوام الماضية أنه من الممكن فعل الكثير. حققنا خلال أربع سنوات نموًّا بنسبة 50%، وفعلنا هذا على وجه الحصر تقريبًا عن طريق الاستفادة من إمكانات المانحين التقليديين، باستثناء دولة الكويت، التي أصبحت من المانحين المهمين للجنة الدولية. أما ما تحقق من نمو بخلاف ذلك فجاء نتيجة التمويل الذي تلقيناه من المانحين التقليديين في المقام الأول. أومن بأنه لا علاقة بين المساعدة الإنسانية والوضع الاقتصادي سواءً المتنامي أو المنكمش، لأن المبالغ التي نحتاجها لنؤدي عملًا ملموسًا ليست بالمبالغ الكبيرة من حيث نسبتها المئوية إلى نسبة النمو الاقتصادي للبلد.
قد تكون دولة ما هنا أو هناك تمر بصعوبات مالية كبيرة بصورة مؤقتة، لكننا لا نتحدث عن تمويلات بأحجام متماثلة. لذا فعندما يتحجج المانحون بعدم قدرتهم على المساهمة بسبب انخفاض سعر النفط، أو تباطؤ النمو الاقتصادي فتلك حجج واهية. ولقد رأينا من كثير من المانحين أنهم عندما يرون خطورة الموقف، ويدركون أن المال الذي يستثمرونه يحل مشكلات نتيجة العمل الفعال الذي نؤديه، يكون هذا حافزًا لهم لحشد الكثير من المال حتى وإن كانوا يمرون بظروف بالغة الصعوبة. فأنا أرى إذن أن عددًا أكبر من الدول بإمكانها المبادرة والمساهمة بسخاء أكثر لتمويل العمل الإنساني المحايد وغير المتحيز والمستقل.

رئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر بيتر ماورير يلتقي أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح في 2016.

بعض الدول المانحة تقدم حججًا واهية لتفسير عجزهم عن المساهمة في موازنة الصليب الأحمر
صرحت في دافوس أن حالة اليأس التي تعيشها الشعوب ليس لها صدًى كافٍ. كيف تفسر ضعف الاهتمام الإعلامي بمناطق النزاع المنسية التي تعمل فيها اللجنة الدولية؟
لطالما كان هناك تعارض بين التقييم الموضوعي للاحتياجات، والإعلام الجماهيري بهذه الاحتياجات، والتدفقات النقدية. وكما ذكرت عدة مرات من قبل، تمثل هذه المحاور الثلاثة مثلث برمودا الذي يتعين على اللجنة الدولية والعديد من الوكالات الإنسانية الأخرى خوضه. وأفضل طريقة لتجاوز هذه الإشكالية هي أن تعترف بها الدول، وأن تسهم بالقدر الممكن من المال «غير المخصص» لغرض معين حتى يتسنى لنا تخصيص المال للمناطق ذات القدر الأعلى من الاحتياجات الموضوعية. بالطبع لا يوجد علاج سحري؛ ستظل هناك دائمًا نزاعات تستحوذ على قدر أكبر من الاهتمام والإنفاق بسبب أهميتها الاستراتيجية، واهتمام القوى العظمى بها، وأثرها الفظيع على السكان. إن المساهمات غير المخصصة لغرض محدد هي أفضل ضمانة في مواجهة مفاضلة حالة نزاع على غيرها. أعتقد أنه بسبب الثقة التي يودعها كثير من الناس في عملنا، تعد اللجنة الدولية إحدى المنظمات التي تتلقى أقل قدر من التمويلات المخصصة، ولذا فهي أكثر قدرة على إعادة التوازن بين الاهتمامات، والمخصصات المالية، والاحتياجات.
كونك قد جئت من أروقة الدبلوماسية، وهو حقل يغلب عليه صنع القرار، ما التحديات الشخصية التي واجهتك منذ التحاقك باللجنة الدولية قبل قرابة أربع سنوات وشروعك في تمثيل المنظمة على أعلى مستوى بوصفك رئيسها؟ وما أهمُّ تجربة خضتها إلى الآن؟ وهل غيرت اللجنة الدولية فيك شيئًا بشكل أو بآخر؟
هناك جزء من عملي اليومي لا يختلف إطلاقًا عن العمل الدبلوماسي، وهو تمثيل المنظمة أمام العالم الخارجي. لكن ما لم أمارسه من قبل هو الجزء المتعلق بالحوكمة؛ الإشراف على عمل المنظمة لضمان تماشيه مع القرارات التي تتخذها الهيئات الحاكمة للجنة الدولية. ليس ثمة اختلاف جوهري في الجزء الدبلوماسي؛ فنحن نتحرك في دوائر دولية، ونبني شبكات، ونتعامل، ونحاول الترويج لاهتمامات المنظمة والدفاع عنها. لكننا نتعامل مع قضايا مختلفة ونركز بشكل أكبر على قضية واحدة وهي قضية الإنسانية. عندما يمثل الدبلوماسي دولةً ما فهو يعمل على نطاق أوسع، غير أن فهمه للقضايا لا يكون بذات القدر من العمق.
وكذلك فإن الأنشطة الميدانية؛ وما تتضمنه من قرب من النزاع ومن الضحايا والعمل في الميدان، هذا جانب لم يسبق لي ممارسته أو تولي المسؤولية عنه. ولأن اللجنة الدولية تعمل على خطوط المواجهة، فإن ذلك يجبرني على الاحتكاك بمجالات لم أحتك بها من قبل. فلم يسبق لي أن اقتربت إلى هذا الحد من النزاعات والضحايا ومن آثار الحرب والعنف. وهذا يُحدث تغييرًا في المرء لأن نظرتك للعالم تتغير. الرائع في الأمر أن هذا القرب اليومي وطوال الوقت يُشعرني بأنني أؤدي دورًا ملموسًا بصفتي رئيسًا للجنة الدولية، وأن ما أقوم به مهمٌّ وله أثر بدرجة أكبر مما لو كنت دبلوماسيًّا، فذلك التأثير المباشر يمنحني الشعور بالرضا.
على الرغم من التشابهات الكثيرة، تظل اللجنة الدولية هيئة كبيرة، وكونها هيئة كبيرة يستلزم نظام إدارة محكمًا. وشأنها شأن غيرها من الهيئات لديها المشكلات المتعلقة بمحاولة أداء دور فاعل، وبكفاءة عالية، وأن تتجرد من البيروقراطية. وهذا الجانب من العمل يبعث لديَّ بعض الإحباط سواء في اللجنة الدولية أو في أي منظمة أخرى. لكني أجد في الجانب الآخر من العمل متعة وأهمية تفوق ما أجده من ذلك الجانب. ومن بين مهامي الرئيسية كرئيس للجنة الدولية محاولة نقل ما أراه في الميدان وما أجده أثناء اتصالي بالناس المحتاجين إلى الساحة الدبلوماسية والسياسية، لأن معظم الرؤساء والوزراء الذين ألتقيهم لا يذهبون إلى الأماكن التي أذهب إليها. وأعتقد أنه يتعين عليَّ أن أكون أمينًا في نقل إلى أي مدى تؤثر القرارات السياسية على الضحايا. لذا فهو عمل مميز وممتع جدًّا بالنسبة لي.
*رباب الرفاعي هي رئيس المركز الإقليمي للإعلام باللجنة الدولية للصليب الأحمر، أما زينب غصن فهي نائب رئيس المركز الإقليمي ورئيس تحرير مجلة الإنساني. وقد نُشر هذا الحوار في العدد رقم 61 (ربيع/ صيف 2016) من مجلة «الإنساني».